معجزة التشفير الرباعي


جميع الطلبات التي يحتاجها الكائن الحي توجد مشفرة في نواة الخلية داخل شريط ال DNA في الكائن الحي بنظام التشفير الرباعي C G T A، هذا التشفير لو قُمنا بنسخه على الورق، فإنه يملأ 1000 مجلد، بواقع 500 صفحة لكل مجلد.
حيث يتواجد داخل نواة كل خلية في الإنسان ثلاثة مليارات نيوكليوتيد، أي ثلاثة مليارات حرف بنظام تشفير رباعي C G T A، كل هذه القاعدة المعلوماتية العملاقة موجودة في مساحة 1 على 1000 من الملليمتر…، وهذا الشريط مُلتف على نفسه 100 ألف لفة.
نظام التشفير الرباعي هذا موجود في أدق الكائنات على وجه الأرض وأكثرها تعقيدا… أيضًا نظام التشفير الرباعي C G T A ظهر مع أول الكائنات على وجه الارض – السيانو باكتريا – ويظل نظاما حكريًّا لكل الكائنات بلا استثناء… فيروسات، بكتريا، ثدييات، نباتات، زواحف، أسماك، حشرات، بريونات…. نظامًا حكريًّا عجيبًا للغاية واحدًا في كل الكائنات يدل على وحدة الخالق.
ثم كيف للصدفة أن تُنشئ أنظمة تشفير، وتُحدد المطلوب مُستقبلا وبدقة متناهية ؟
فالتشفير عملية في غاية الذكاء والإعداد للمستقبل والضبط بعناية.
وتشمل عملية التشفير تخزين المعلومات ونقلها وحفظها واستخدامها بعد ذلك عند الحاجة، وليس مجرد التشفير.
هذا التشفير يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن ربنا وحده الذي أعطى كل شيء خلقه وصورته وهيئته بمنتهى الدقة والكفاءة قبل أن يُخلق ويُصوَّر، قال تعالى: ” قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ”( طه 50 ).
لكن عملية التشفير تفرض معضلة أكبر ولُغزًا أعمق، فهذه المعلومات كالكلمات المطبوعة على ورق كالشفرات المضغوطة على اسطوانة CD تحمل أدق تفاصيل الكائن الحي، لكنها مجرد شفرات لا أكثر، كيف تنتقل هذه الشفرات إلى تشكيل الكائن على هيئته الحقيقية؟!
كيف تتحول المعلومات إلى وجود حقيقي في الكائن الحي؟!
كيف تتحول كلمات نخطها على أوراق نَصِف فيها هيئة إنسان، مهما بلغت تفاصيلها ودقتها، إلى إنسان حقيقي (من لحم ودم) ؟!
ويبقى التساؤل الأهم مَن الذي وضع الشفرة قَبل فك التشفير ؟
أيضًا هذه المنظومة التشفيرية العملاقة في أبسط كائن وأعقدها؛ أولها وآخرها تعمل بمساعدة إنزيمات، والتي هي أيضًا بروتينات تتواجد معلوماتها مُشفرة داخل ذلك الحمض النووي، إذن هذه خاصية من التعقيد غير قابلة للاختزال ولا للتدرج ولا للصدفة.. أما تكون أو لا تكون.
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يُختبر الإنسان فيما هو دون ذكائه الفطري بكثير… هل مسألة الخالق المبدع تحتاج أصلًا لفتح حوار ؟!
د. هيثم طلعت