انحسار الرضاعة.. خسارة مناعية


د. محمد على البار

قال تعالى :وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿233﴾ (سورة البقرة)

لم تعرف البشرية إرضاع المواليد من بني الإنسان بألبان الحيوانات على نطاق واسع إلا في القرن العشرين. وقد بدأت تلك الموجة في أثناء الحرب العالمية الأولى ذلك ضراوة بخروج المرأة الأوروبية لانشغال كثير من الأمهات في المجهود الحربي.. ثم زاد ذلك ضراوة بخروج المرأة الأوروبية إلى ميدان العمل، واستمرت الزيادة باضطراد إلى بداية الحرب العالمية الثانية حينما قلّ إنتاج المصانع من الألبان المجففة بسبب الحرب، ثم عاد الأمر على أشد مما كان بعد انتهاء الحرب عام 1945 م .
واستمر الخط البياني للألبان المصنعة والدول الصناعية الأخرى يوالي صعوده طوال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ولكن منذ بداية السبعينات وإلى اليوم ازداد الوعي بأهمية الرضاعة نتيجة الأبحاث المتعددة التي أثبتت فوائد الرضاعة وأضرار الألبان المجففة على أطفال بني البشر. وبدأت الرضاعة تزداد يوماً بعد يوم في يوم في البلاد المتقدمة صناعياً رغم العوائق الكثيرة التي تقف أمام الرضاعة، وأهمها خروج المرأة إلى ميدان العمل، وعدم تفرغها للرضاعة، مما دعا المنظمات العالمية إلى زيادة إجازة فترة النفاس والرضاع إلى شهرين بدلاً من أسبوعين، وإلى تهئية مكان قريب من مكان العمل تستطيع المرضع فيه أن تعود إلى طفلها كل ثلاث ساعات لترضعه ثم تعود إلى العمل.
وقد انتشر هذا النظام في الولايات المتحدة، ووجدت الشركات والدوائر الحكومية أن إيجاد مكان مناسب لحضانة الأطفال الرضع أثناء عمل الأم، والسماح للمرأة بإرضاع طفلها لا يعوق عملها، ولا يقلل من الإنتاج، بل ربما حسّن من أداة المرأة العاملة بعد أن تطمئن على طفلها وإرضاعه.

أما في الدول النامية (العالم الثالث) فإن الرضاعة كانت هي الأساس لإرضاع الأطفال وتغذيتهم، فإن لم تستطع الأم أن ترضع طفلها لأي سبب كان فإن المرضعات يقمن بهذا الواجب، إما بأجر أو تطوعاً … وإلى عهد قريب كان الطفل يرضع من أمه أو من إحدى قريباتها أو جاراتها ..وربما يرضع الطفل من أكثر من واحدة … وكان هذا شائعاً جداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرضعته أمه آمنة بنت وهب، وأرضعته حليمة السعدية، كما أرضعته أيضاً ثويبة مولاة أبي لهب وهي التي أعتقها عندما بشر بولادة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أجلها يخفف عنه العذاب يوم الاثنين بسبب فرحه بولادة النبي صلى الله عليه وسلم.ومع موجة التغريب بدأت الرضاعة تنحسر في العالم الثالث. وعرفت شركات تصنيع الألبان المجففة أن مستقبلها هو في دول العالم الثالث ذي الكثافة السكانية العالية، والخصوبة المرتفعة، فكثفت من حملاتها الدعائية حتى أنها في بداية الثمانينات كانت تبيع ما قيمته ألفي مليون دولار كل عام لدول العالم الثالث الفقير.

وقد لعبت هذه الشركات دوراً هاماً في انحسار الرضاعة في العالم الثالث، بالإضافة إلى تغيير نمط الحياة وانتشار تعليم الفتيات !! وخروج المرأة إلى ميدان العمل. وقد أوضحت الأبحاث الكثيرة أن الأمهات أهملن الرضاعة ولجأن إلى القارورة والألبان المجففة مع ازدياد التعليم، والهجرة إلى المدينة، ودخول ميدان العمل، ففي بحث في شيلي (أمريكا اللاتينية)قام به مارين وزملاؤه ونشرته المجلة الطبية السعودية عام 1981م جاء فيه أن 80% من الأمهات كن يرضعن أولادهن في سن ستة أشهر عام 1940م وبحلول عام 1974م تغير الوضع وانقلب بحيث أن 77 % في الأرياف كن قد استبدلن الرضاعة بالقارورة والألبان المجففة. وفي المملكة العربية السعودية وجد الأستاذ الدكتور زهير السباعي عام 1967 م أن 90 % من الأمهات يفطمن أولادهن في نهاية السنة الثانية من العمر، ويتم  إرضاع جميع الأطفال تقريباً في الأشهر الستة الأولى من حياتهم، وذلك في منطقة تربة ولكن هذا الاتجاه المحمود تغير تغيراً كبيراً بحلول عام 1981م وصارت نسبة محدودة هي التي تكمل الرضاعة حولين كاملين. ووجد باحثون آخرون نفس الاتجاه الخطير حيث يذكر الدكتور الناصر في بحثه عن الرضاعة في قرى تهامة بالمملكة العربية السعودية أن معظم الأمهات يكتفين بالرضاعة لبضعة أشهر ثم يعرهن إلى القارورة. ووجدت الدكتورة منيرة باحسين في دراستها لـ 198 طفل من المنطقة الشرقية عام 1981م أن 46% فقط من الأمهات كن يرضعن أولادهن.

وفي بحث الدكتورة لوسون في المستشفى العسكري بالرياض1981م ظهر أن 41% من الأطفال يتغذون بالألبان المجففة عند بلوغهم ستة أشهر وأن البقية 59% يرضعون ويستعملون القارورة معاً. وفي بحث لجانيت وإلياس شمل 510 طفلاً في مراكز الرعاية الصحية بالمملكة تبين أن 38% فقط من الأطفال يرضعون من أمهاتهم عند بلوغهم ستة أشهر، وأما الباقون فيلتقمون القارورة. ووضحت دراسة مماثلة قامت بها الدكتورة رفيدة خاشقجي وخالد مدني في المنطقة الغربية أن الرضاعة انخفضت مباشرة بعد الولادة من 95%بعد مرور أشهر قليلة فقط .
وأرجع الدكتور حق في بحثه عن الرضاعة في الرياض 1983 م أسباب انحسار الرضاعة إلى :
1-  موجة التغريب والتأثر بالحضارة الغربية.
2- التعليم : كلما زاد تعليم الفتاة كلما قل إرضاعها لأطفالها.
3- عمل الأم خارج المنزل.
4- توفر الألبان المجففة بأنواع مختلفة، والدعاية المغرية لاستعمالها.

وذكرت دبورة هيفتي في ورقتها المقدمة عن تاريخ واتجاهات الرضاعة في ندوة عن الرضاعة عقدت في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض 1983م أن شركات الألبان المجففة لعبت دوراً هاماً، ولا تزال تلعب، في انحسار الرضاعة في الدول النامية، ومما زاد المشكلة تعقيداً ما كانت تقوم به كثير من المستشفيات حيث تبعد المولود عن أمه، وتمنع الأم من إرضاعه لمدة يومين أو ثلاثة … وفي تلك الأثناء يعطى المولود القارورة ومحلول الجلوكوز والألبان المجففة .. ومما يزيد الطين بلة أن الأم عند خروجها من المستشفى تعطى مجموعة  من علب الألبان المجففة المهداة من شركات الألبان!!
ويتفق الدكتور الشاذلي في بحثه مع ما وصله إليه الدكتور حق في الأسباب
المؤدية إلى إهمال الرضاعة ولكنه غيّر الترتيب فهي عنده كالآتي :
1- عمل المرأة .
2- موجة التغريب والنزوح إلى المدن.
3- الدعاية القوية من شركات الألبان المصنعة.
4- استخدام حبوب منع الحمل(الهرمونية).

ويذكر الدكتور الفريح أن في الرياض 36 نوعاً من أنواع الألبان المجففة، بل إن القرى خارج الرياض بها أكثر من 12 نوع من أنواع الألبان المجففة. وهذا في رأيه من الأسباب الهامة لانحسار الرضاعة.
وفي دراسة موسعة عن الرضاعة للدكتور محمد السكيت في المملكة العربية السعودية وجد الباحث أن  %8 من المواليد (بعد الولادة مباشرة) كانوا يتغذون من القارورة، ولكن النسبة ارتفعت إلى %30  بحلول ستة أشهر، زادوا إلى %60عند بلوغهم العام الأول من حياتهم.

وقد تبين في هذه الدراسة الموسعة أن المرأة الأمية ترضع ما معدله سنة وخمسين يوماً، بينما الحاصلة على الابتدائية ترضع عشرة أشهر فقط تنخفض عند حصولها على الثانوية إلى ثمانية أشهر ونصف، فإذا ما تخرجت من الجامعة كان معدل إرضاعها خمسة  أشهر فقط. وهي نتيجة مرعبة تدل على أن التعليم لا يؤدي غرضه، بل على العكس من ذلك. وهذا يستدعي مراجعة تامة لمناهج التعليم الموجودة، إذ إن المفروض أن الرضاعة تزداد مع التعليم كما هو حادث اليوم في أوروبا والولايات المتحدة حيث نرى الرضاعة تزداد مع مستوى التعليم .. ففوائد الرضاعة لا تكاد تعد ولا تحصى وسنلمح إلى شيء منها فيما بعد.ووجد الدكتور السكيت وزملاؤه أن التي تعيش في الريف ترضع في المعدل 14 شهراً، بينما التي تسكن في المدينة لا ترضع سوى تسعة أشهر ونصف كما وجدوا أنه كلما زاد دخل الأسرة كلما قلت الرضاعة. فالأسرة التي دخلها أقل من 250 دولار شهرياً ترضع الأمهات فيها 14 شهراً ونصف الشهر، بينما الأسرة التي دخلها أكثر من 1500 دولار شهرياً ترضع الأمهات فيها سبعة أشهر فقط. وترضع ربة البيت التي لا تخرج إلى ميدان العمل سنة وشهراً في المعدل، بينما لا ترضع العاملة والموظفة سوى ستة اشهر.

والغريب حقاً ما وجده الباحثون من  أن التي تلد في المستشفى ترضع تسعة أشهر ونصف الشهر، بينما التي تلد في البيت ترضع لمدة سنة و15 يوماً في المعدل. وهي ظاهرة غريبة تدل على سؤ خدمات مستشفياتنا حيث تمنع الوالدة من إرضاع وليدها ليوم أو يومين، ثم تعطى عند خروجها من المستشفى هدية من الألبان المجففة. هكذا كان الوضع في الثمانينات، أما الآن فقد تغير الوضع بفضل الله في الغالبية الساحقة من مستشفيات المملكة الحكومية والخاصة، حيث تتم المبادرة إلى تشجيع الأم بإرضاع وليدها بعد ولادته مباشرة أو بسويعات، كما تشجع وتحث الأمهات على إرضاع أولادهن.
ولا يعطين الألبان المجففة المقدمة هدية من الشركات. ووجد الباحثون أن من يستخدمن وسائل منع الحمل يرضعن لمدة سبعة أشهر فقط في المعدل. بينما اللائى لا يستخدمن هذه الحبوب يرضعن لسنة كاملة وعشرين يوماً في المعدل. ومن المعلوم أن حبوب منع الحمل تقلل من إفراز اللبن، كما أن الهرمونات فيها قد تؤثر على الرضيع. ودراسة الدكتور السكيت وزملاؤه من أمتع و أوسع الدراسات في موضوع الرضاعة في المملكة العربية السعودية  فهي قد شملت 12.000 منزل في الفترة من يناير إلى يونيو 1985م وتمت فيها ولادة 2010 من الأطفال الذين تمت متابعتهم لمدة حولين كاملين. فكانت بذلك أشمل وأوسع دراسة في هذا الموضوع حسب علمي حتى اليوم تجري في المملكة.

أهمية الرضاعة وفوائدها:

تذكر منظمة الصحة العالمية أن عشرة ملايين طفل يتوفون سنوياً في العالم الثالث نتيجة أمراض الجهاز الهضمي والإسهال، واغلب هذه الوفيات ناتجة عن تغذية الأطفال بالألبان المصنعة بواسطة القارورة حيث لا يتم التعقيم كما ينبغي، وتكون الكمية من اللبن مخففة بالماء وتسبب إصابة أكثر من تسعة ملايين طفل بنقص شديد في التغذية مما يؤدي إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض والوفيات المبكرة ولذا ترى المنظمة الصحية العالمية التي تعنى بشؤون الأطفال وصحتهم مثل اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية أن إرضاع المواليد من أمهاتهم لمدة عامين سينقذ بإذن الله أكثر من عشرة ملايين طفل يتوفون سنوياً بسبب الإسهال وسوء التغذية و أمراض أخرى كثيرة وتذكر مجلة اللانسيت الطبية البريطانية المشهورة في افتتاحيتها 1994م أن الرضاعة تنقذ مليوناً من الأطفال بما توفره من تحسين جهاز المناعة.
وهذا الرقم غير الملايين العديدة الذين يمكن أن تنقذهم الرضاعة والذين يتوفون نتيجة الإسهال والأمراض المعدية الأخرى. ويعتبر اللبا(وهو اللبن الذي يفرز بعد الولادة مباشرة ويستمر لبضعة أيام) مهماً جداً لحياة الطفل ومناعته ضد الأمراض. ولم أر أحداً من القدماء تنبه إلى أهمية اللبا سوى الشافعية حيث أوجبوا على الأم إرضاع المولود اللبا لأنه لا يعيش بدونه غالباً، وغيرها لا يغني وهي نظرة عجيبة جداً حيث إن جميع الأطباء القدامى مثل ابن سينا والرازي وابن الجزار والقيرواني والبلدي… الخ كلهم يصرون على أن اللبا غير مفيد للطفل وأن على الوالدة أن لا ترضع طفلها بعد الولادة مباشرة وإنما تبدأ ذلك في اليوم الثالث أو ما حوله.

والغريب جداً أن هذه النظرة الغريبة كانت منتشرة في الطب الحديث، وفي المستشفيات حيث يبعد الطفل المولود عن أمه لمدة 24 ساعة أو 48 ساعة قبل أن ترضعه … واستمر هذا الإجراء الخاطئ بل الشديد الخطأ إلى السبعينات من هذا القرن في أوروبا وإلى الثمانينات من القرن العشرين في معظم دول العالم الثالث … وربما في بعض المستشفيات إلى اليوم!! ويمتاز اللبا  بكثافته وبغناه بالبروتينات وبالذات الجلوبيولينات المناعية  التي لها خاصية مدافعة الأمراض ومقاومتها، و أكثرها وجوداً الجلوبيولين المناعي من نوع (أ) الافزازي  وهو بروتين مهم لمقاومة مختلف أنواع البكتريا  وبعض أنواع الفيروسات مثل فيروس شلل الأطفال وفيروس الحصبة وفيروس النكاف وفيروس التهاب الدماغ الياباني. ومن ميزات اللبا أنه يحتوي على فيتامين ( أ) وتركيز الكلور والصوديوم. وله قدرة عجيبة على تليين أمعاء الطفل وبالتالي إفراز مادة العقي التي لو بقيت في الأمعاء لأضرت بالطفل وسببت انسداداً في أمعائه. ويحتوي اللبا أيضاً على العديد من الخلايا البيضاء واللمفاوية للأمراض، كما يحتوي على أكثر من مائة أنزيم وعلى معادن مختلفة وخاصة عنصر الزنك بالإضافة إلى العديد من الفيتامينات.

ويمكننا أن نوجز فوائد الرضاعة فيما يلي :

بالنسبة إلى الرضيع :
1- انخفاض حدوث الالتهابات الميكروبية لأن لبن الأم معقم جاهز بينما ألبان القارورة تحتوي على العديد من الميكروبات وخاصة في العالم الثالث. ويمكن إنقاذ ملايين الأطفال الذين يتوفون سنوياً بمجرد الرضاعة.
2- يحتوي لبن الأم على مضادات الأجسام والبروتينات المناعية ومجموعة كبيرة من خلايا الدم البيضاء المقاومة للأمراض بالإضافة إلى أكثر من مائة أنزيم.
3- يحتوي لبن الأم على عامل مهم ينمي نوعاً من البكتريا المفيدة التي تستوطن الأمعاء والتي تقوم بوقاية الطفل من كثير من أمراض الجهاز الهضمي. وتدعى هذه البكتريا العصية اللبنية المشقوقة.
4- يحتوي لبن الأم على مادة الانترفيرون الهامة والتي تقاوم الفيروسات.
5- يحتوي لبن الأم على مواد مضادة للسموم وبالذات سموم بكتريا (ضمات) الكوليرا.

6- لا يسبب لبن الأم أي حساسية للطفل بينما تبلغ نسبة أمراض الحساسية في الألبان المجففة %30 من الأطفال الذين يتناولونها.
7- لبن الأم فقير في الحامض الاميني فينايل الانين ، وبالتالي فإن الأطفال الذين يعانون من مرض وراثي يسمى بيلة فينايل كيتون يستطيعون أن يرضعوا من أمهاتهم دون حدوث مضاعفات خطيرة ويمنعون منعاً باتاً من الألبان المجففة المصنعة لاحتوائها على كميات كبيرة من الحامض الأميني فينايل الآنين .. ولا بد من تصنيع أغذية لا يوجد بها هذا الحامض الأميني.
8- لبن الأم غني بالزنك …ولذا فإن الأطفال الذين يعانون من مرض وراثي خطير لا تظهر عليهم أي أعراض طالما كانوا يرضعون من أمهاتهم أو من مرضعات بشريات، ولا بد أن تستمر الرضاعة في هذه الحالة حولين كاملين. أما إذا اعتمد الطفل على الألبان الأبقار فإنه يصاب بالمرض بصورة خطيرة جداً وغالباً ما يتوفى دون الحولين.
9-  وفاة المهد تكثر نسبياً لدى الأطفال يتغذون بالقارورة والألبان المصنعة، بينما هي نادرة جداً لدى الأطفال الذين على الألبان المصنعة.
10- لا يعاني الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم من الإمساك أو الإسهال إلا نادراً جداً بالمقارنة مع من يتغذون على الألبان المصنعة.

11- الرضاعة تساعد على تكوين الأسنان وجعل الفك سليماً دون اعوجاج بينما التقام القارورة يؤدي إلى اعوجاج وسوء نمو الأسنان مما يجعلها تحتاج إلى عمليات تقويم فيما بعد.
12- الرضاعة تحمي من مجموعة خطيرة من الأمراض منها البول السكري الذي يصيب الأطفال (النوع الأول)، وتصلب الشرايين، وبعض أنواع السرطان، والسمنة. وتخفف من وقع أمراض وراثية كثيرة وخطيرة مثل التليف الكيسي، وبيلة فينايل كيتون، ومرض نقص الزنك الوراثي، ومرض سيلياك (المرض الجوفي)الذي يصيب الجهاز الهضمي … وكل هذه الأمراض تحدث بصورة أخف لدى من يرضعون من أمهاتهم بالمقارنة مع من يلتقمون القارورة.
13- لا يحدث الكساح لدى من يرضعون بينما يحدث الكساح بنسبة غير قليلة لدى الأطفال الذين يتغذون على ألبان الأبقار المجففة. وذلك لأن لبن الأم (أو المرضع) يحتوي على كمية ذائبة من فيتامين(د) يسهل امتصاصها، بينما يعتبر لبن الأبقار يؤدي إلى فقدانه جزءاً مما يحويه من الفيتامينات.

14- يمتص الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم الحديد بصورة أفضل من أولئك الذين يتغذون بـألبان الأبقار. وذلك لوجود مادة لاكتوفرين في لبن المرضع وهي مادة تساعد على امتصاص الحديد. كما أن في لبن الأم مادة بروتينية أخرى تتحد بالحديد وأجزاء من الخلايا بحيث لا يترك  الحديد حراً في الأمعاء. وقد وجد أن الحديد الحر مهم لنمو بعض البكتريا العدوانية. وبالتالي فإن حرمان هذه البكتريا من الحديد يؤدي إلى إضعافها وسهولة القضاء عليها.
15- تؤدي التغذية بالألبان المجففة للمواليد إلى زيادة في عدد من الهرمونات في جسم الطفل مثل الأنسولين والموتولين والنيوروتنسين. وهذه كلها لها علاقة بأمراض الاستقلاب التي تكثر عند من يغذون بألبان الأبقار وتندر فيمن يرضعون.
16- يحتوي لبن الأم على أحماض دهنية غير مشبعة وحيدة ومتعددة وهي أحماض دهنية هامة لبناء الجهاز العصبي بينما يحتوي لبن الأبقار على أحماض دهنية مشبعة لها علاقة فيما بعد بتصلب الشرايين والسمنة. كما توجد في لبن الأم خمائر خاصة تساعد على تحلل الدهون وسهولة امتصاص الكالسيوم.

17- يحتوي لبن الأم على المعادن المطلوبة بكميات متناسبة متناسقة يسهل امتصاصها أما لبن الأبقار فيحتوي على كميات أكبر غير ذات فائدة، بل تسبب إرهاقاً لكلية الطفل من أجل طردها. ولهذا فإن الأطفال الذين يتغذون على ألبان الأبقار المجففة أكثر عرضة للإصابة بأمراض الكلى من الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم(أو المرضعات).
18- الفوائد النفسية العديدة للطفل الذي يشعر بدفء الأمومة عند التقامه الثدي.
وقد أوضحت العديد من الدراسات أن الأطفال الذين لا يرضعون وإنما يلتقمون القارورة يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية والسلوكية. وأن نسبة الجنوح والانحراف النفسي والسلوكي وتعاطي المخدرات وجرائم القصر والشباب مرتبطة إلى حد ما بعدم الرضاعة والاكتفاء بالتغذية بالألبان المجففة.
هذه أهم  فوائد الرضاعة للطفل.

أما أهم  فوائد الرضاعة للأم والمجتمع فهي كالتالي:
1- لبن الأم جاهز ومعقم ولا يحتاج إلى تحضير ومعاناة.
2- تنبه عملية الرضاعة أثناء مص الثدي الغدة النخامية الخلفية لتفرز هرمون الأوكسيتوسن. وهو هرمون مهم جداً لإعادة الرحم المتضخم بعد الولادة إلى حجمه ووضعه الطبيعي. وبالتالي يمنع النزف الشديد أثناء النفاس كما أنه يقي الأم من حمى النفاس الخطيرة.
3- تستفيد المرضع بعودة جسمها كله إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل، وبالتالي تساعد الرضاعة على الرشاقة والحفاظ على الصحة.
4- أثبتت كثير من الأبحاث أن الرضاعة تلعب دوراً وقائياً للحماية من سرطان الثدي وسرطان الرحم.
5- تقي الرضاعة الأم من الجلطات التي قد تحدث أثناء فترة النفاس.
6- الرضاعة التامة خلال الأشهر الستة الأولى تعتبر من أهم  وأفضل وسائل منع الحمل.
7- توفر الرضاعة من الأم ثمن الألبان المجففة وهي تبلغ آلاف الملايين من الدولارات سنوياً. ففي بداية الثمانينات من هذا القرن كانت الدول النامية (العالم الثالث) تستورد ما قيمته ألفي مليون دولار سنوياً من الألبان المجففة.
8- توفر الرضاعة آلاف الملايين من الدولارات سنوياً التي تنفق على مداواة الأمراض الخطيرة والوبيلة الناتجة عن التغذية بالقارورة.
9- تنقذ الرضاعة حياة ملايين الأطفال الذين يتوفون، وخاصة في العالم الثالث بسبب عدم التعقيم والإسهال والانتانات المختلفة… وهذه لا يمكن أن تقدّر بثمن . إذ أن حياة طفل واحد أغلى من أموال الدنيا كلها.
10- تنقذ الرضاعة اليافعين والشباب من الانحرافات النفسية. وهذه لها مردود اجتماعي واقتصادي يقدّر بآلاف الملايين من الدولارات سنوياً.
11- تقلل الرضاعة من إصابة البالغين بأمراض عديدة خطيرة مثل تصلب الشرايين والبول السكري وسرطان الثدي وسرطان الرحم. وهذه لها مردود صحي بالغ ومردود اقتصادي يقدّر بآلاف الملايين من الدولارات سنوياً.
هذه لمحة سريعة عن فوائد الرضاعة فهلا عادت الوالدات لإرضاع أطفالهن كما أمرهن الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم صلوات ربي وسلامه عليه وكما يدعو إليه الطب الحديث.
قال تعالى :وَالْوَالِدَاتُ يرضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿233﴾ (سورة البقرة)

لم تعرف البشرية إرضاع المواليد من بني الإنسان بألبان الحيوانات على نطاق واسع إلا في القرن العشرين. وقد بدأت تلك الموجة في أثناء الحرب العالمية الأولى ذلك ضراوة بخروج المرأة الأوروبية لانشغال كثير من الأمهات في المجهود الحربي.. ثم زاد ذلك ضراوة بخروج المرأة الأوروبية إلى ميدان العمل، واستمرت الزيادة باضطراد إلى بداية الحرب العالمية الثانية حينما قلّ إنتاج المصانع من الألبان المجففة بسبب الحرب، ثم عاد الأمر على أشد مما كان بعد انتهاء الحرب عام 1945 م .
واستمر الخط البياني للألبان المصنعة والدول الصناعية الأخرى يوالي صعوده طوال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ولكن منذ بداية السبعينات وإلى اليوم ازداد الوعي بأهمية الرضاعة نتيجة الأبحاث المتعددة التي أثبتت فوائد الرضاعة وأضرار الألبان المجففة على أطفال بني البشر.

وبدأت الرضاعة تزداد يوماً بعد يوم في يوم في البلاد المتقدمة صناعياً رغم العوائق الكثيرة التي تقف أمام الرضاعة، وأهمها خروج المرأة إلى ميدان العمل، وعدم تفرغها للرضاعة، مما دعا المنظمات العالمية إلى زيادة إجازة فترة النفاس والرضاع إلى شهرين بدلاً من أسبوعين، وإلى تهئية مكان قريب من مكان العمل تستطيع المرضع فيه أن تعود إلى طفلها كل ثلاث ساعات لترضعه ثم تعود إلى العمل. وقد انتشر هذا النظام في الولايات المتحدة، ووجدت الشركات والدوائر الحكومية أن إيجاد مكان مناسب لحضانة الأطفال الرضع أثناء عمل الأم، والسماح للمرأة بإرضاع طفلها لا يعوق عملها، ولا يقلل من الإنتاج، بل ربما حسّن من أداة المرأة العاملة بعد أن تطمئن على طفلها وإرضاعه.
أما في الدول النامية (العالم الثالث) فإن الرضاعة كانت هي الأساس لإرضاع الأطفال وتغذيتهم، فإن لم تستطع الأم أن ترضع طفلها لأي سبب كان فإن المرضعات يقمن بهذا الواجب، إما بأجر أو تطوعاً … وإلى عهد قريب كان الطفل يرضع من أمه أو من إحدى قريباتها أو جاراتها ..وربما يرضع الطفل من أكثر من واحدة … وكان هذا شائعاً جداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرضعته أمه آمنة بنت وهب، وأرضعته حليمة السعدية، كما أرضعته أيضاً ثويبة مولاة أبي لهب وهي التي أعتقها عندما بشر بولادة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أجلها يخفف عنه العذاب يوم الاثنين بسبب فرحه بولادة النبي صلى الله عليه وسلم.ومع موجة التغريب بدأت الرضاعة تنحسر في العالم الثالث. وعرفت شركات تصنيع الألبان المجففة أن مستقبلها هو في دول العالم الثالث ذي الكثافة السكانية العالية، والخصوبة المرتفعة، فكثفت من حملاتها الدعائية حتى أنها في بداية الثمانينات كانت تبيع ما قيمته ألفي مليون دولار كل عام لدول العالم الثالث الفقير.

وقد لعبت هذه الشركات دوراً هاماً في انحسار الرضاعة في العالم الثالث، بالإضافة إلى تغيير نمط الحياة وانتشار تعليم الفتيات !! وخروج المرأة إلى ميدان العمل. وقد أوضحت الأبحاث الكثيرة أن الأمهات أهملن الرضاعة ولجأن إلى القارورة والألبان المجففة مع ازدياد التعليم، والهجرة إلى المدينة، ودخول ميدان العمل، ففي بحث في شيلي (أمريكا اللاتينية)قام به مارين وزملاؤه ونشرته المجلة الطبية السعودية عام 1981م جاء فيه أن 80% من الأمهات كن يرضعن أولادهن في سن ستة أشهر عام 1940م وبحلول عام 1974م تغير الوضع وانقلب بحيث أن 77 % في الأرياف كن قد استبدلن الرضاعة بالقارورة والألبان المجففة. وفي المملكة العربية السعودية وجد الأستاذ الدكتور زهير السباعي عام 1967 م أن 90 % من الأمهات يفطمن أولادهن في نهاية السنة الثانية من العمر، ويتم  إرضاع جميع الأطفال تقريباً في الأشهر الستة الأولى من حياتهم، وذلك في منطقة تربة ولكن هذا الاتجاه المحمود تغير تغيراً كبيراً بحلول عام 1981م وصارت نسبة محدودة هي التي تكمل الرضاعة حولين كاملين. ووجد باحثون آخرون نفس الاتجاه الخطير حيث يذكر الدكتور الناصر في بحثه عن الرضاعة في قرى تهامة بالمملكة العربية السعودية أن معظم الأمهات يكتفين بالرضاعة لبضعة أشهر ثم يعرهن إلى القارورة. ووجدت الدكتورة منيرة باحسين في دراستها لـ 198 طفل من المنطقة الشرقية عام 1981م أن 46% فقط من الأمهات كن يرضعن أولادهن. وفي بحث الدكتورة لوسون في المستشفى العسكري بالرياض1981م ظهر أن 41% من الأطفال يتغذون بالألبان المجففة عند بلوغهم ستة أشهر وأن البقية 59% يرضعون ويستعملون القارورة معاً. وفي بحث لجانيت وإلياس شمل 510 طفلاً في مراكز الرعاية الصحية بالمملكة تبين أن 38% فقط من الأطفال يرضعون من أمهاتهم عند بلوغهم ستة أشهر، وأما الباقون فيلتقمون القارورة. ووضحت دراسة مماثلة قامت بها الدكتورة رفيدة خاشقجي وخالد مدني في المنطقة الغربية أن الرضاعة انخفضت مباشرة بعد الولادة من 95%بعد مرور أشهر قليلة فقط .

وأرجع الدكتور حق في بحثه عن الرضاعة في الرياض 1983 م أسباب انحسار الرضاعة إلى :
1-  موجة التغريب والتأثر بالحضارة الغربية.
2- التعليم : كلما زاد تعليم الفتاة كلما قل إرضاعها لأطفالها.
3- عمل الأم خارج المنزل.
4- توفر الألبان المجففة بأنواع مختلفة، والدعاية المغرية لاستعمالها.

وذكرت دبورة هيفتي في ورقتها المقدمة عن تاريخ واتجاهات الرضاعة في ندوة عن الرضاعة عقدت في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض 1983م أن شركات الألبان المجففة لعبت دوراً هاماً، ولا تزال تلعب، في انحسار الرضاعة في الدول النامية، ومما زاد المشكلة تعقيداً ما كانت تقوم به كثير من المستشفيات حيث تبعد المولود عن أمه، وتمنع الأم من إرضاعه لمدة يومين أو ثلاثة … وفي تلك الأثناء يعطى المولود القارورة ومحلول الجلوكوز والألبان المجففة .. ومما يزيد الطين بلة أن الأم عند خروجها من المستشفى تعطى مجموعة  من علب الألبان المجففة المهداة من شركات الألبان!!
ويتفق الدكتور الشاذلي في بحثه مع ما وصله إليه الدكتور حق في الأسباب المؤدية إلى إهمال الرضاعة ولكنه غيّر الترتيب فهي عنده كالآتي :
1- عمل المرأة .
2- موجة التغريب والنزوح إلى المدن.
3- الدعاية القوية من شركات الألبان المصنعة.
4- استخدام حبوب منع الحمل(الهرمونية).
ويذكر الدكتور الفريح أن في الرياض 36 نوعاً من أنواع الألبان المجففة، بل إن القرى خارج الرياض بها أكثر من 12 نوع من أنواع الألبان المجففة. وهذا في رأيه من الأسباب الهامة لانحسار الرضاعة.
وفي دراسة موسعة عن الرضاعة للدكتور محمد السكيت في المملكة العربية السعودية وجد الباحث أن  %8 من المواليد (بعد الولادة مباشرة) كانوا يتغذون من القارورة، ولكن النسبة ارتفعت إلى %30  بحلول ستة أشهر، زادوا إلى %60عند بلوغهم العام الأول من حياتهم.

وقد تبين في هذه الدراسة الموسعة أن المرأة الأمية ترضع ما معدله سنة وخمسين يوماً، بينما الحاصلة على الابتدائية ترضع عشرة أشهر فقط تنخفض عند حصولها على الثانوية إلى ثمانية أشهر ونصف، فإذا ما تخرجت من الجامعة كان معدل إرضاعها خمسة  أشهر فقط. وهي نتيجة مرعبة تدل على أن التعليم لا يؤدي غرضه، بل على العكس من ذلك. وهذا يستدعي مراجعة تامة لمناهج التعليم الموجودة، إذ إن المفروض أن الرضاعة تزداد مع التعليم كما هو حادث اليوم في أوروبا والولايات المتحدة حيث نرى الرضاعة تزداد مع مستوى التعليم .. ففوائد الرضاعة لا تكاد تعد ولا تحصى وسنلمح إلى شيء منها فيما بعد.ووجد الدكتور السكيت وزملاؤه أن التي تعيش في الريف ترضع في المعدل 14 شهراً، بينما التي تسكن في المدينة لا ترضع سوى تسعة أشهر ونصف كما وجدوا أنه كلما زاد دخل الأسرة كلما قلت الرضاعة. فالأسرة التي دخلها أقل من 250 دولار شهرياً ترضع الأمهات فيها 14 شهراً ونصف الشهر، بينما الأسرة التي دخلها أكثر من 1500 دولار شهرياً ترضع الأمهات فيها سبعة أشهر فقط. وترضع ربة البيت التي لا تخرج إلى ميدان العمل سنة وشهراً في المعدل، بينما لا ترضع العاملة والموظفة سوى ستة اشهر.

والغريب حقاً ما وجده الباحثون من  أن التي تلد في المستشفى ترضع تسعة أشهر ونصف الشهر، بينما التي تلد في البيت ترضع لمدة سنة و15 يوماً في المعدل. وهي ظاهرة غريبة تدل على سؤ خدمات مستشفياتنا حيث تمنع الوالدة من إرضاع وليدها ليوم أو يومين، ثم تعطى عند خروجها من المستشفى هدية من الألبان المجففة. هكذا كان الوضع في الثمانينات، أما الآن فقد تغير الوضع بفضل الله في الغالبية الساحقة من مستشفيات المملكة الحكومية والخاصة، حيث تتم المبادرة إلى تشجيع الأم بإرضاع وليدها بعد ولادته مباشرة أو بسويعات، كما تشجع وتحث الأمهات على إرضاع أولادهن. ولا يعطين الألبان المجففة المقدمة هدية من الشركات.

ووجد الباحثون أن من يستخدمن وسائل منع الحمل يرضعن لمدة سبعة أشهر فقط في المعدل. بينما اللائى لا يستخدمن هذه الحبوب يرضعن لسنة كاملة وعشرين يوماً في المعدل. ومن المعلوم أن حبوب منع الحمل تقلل من إفراز اللبن، كما أن الهرمونات فيها قد تؤثر على الرضيع. ودراسة الدكتور السكيت وزملاؤه من أمتع و أوسع الدراسات في موضوع الرضاعة في المملكة العربية السعودية  فهي قد شملت 12.000 منزل في الفترة من يناير إلى يونيو 1985م وتمت فيها ولادة 2010 من الأطفال الذين تمت متابعتهم لمدة حولين كاملين. فكانت بذلك أشمل وأوسع دراسة في هذا الموضوع حسب علمي حتى اليوم تجري في المملكة.