المسيح وآدم


إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ; (آية 59).

– 1 – أجمع أهل التفسير على أن هذه العبارة قيلت في محاجّة نصارى وفد نجران. قال ابن عباس: إن رهطاً من أهل نجران قدموا على محمد، وكان فيهم السيد والعاقب. فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ تزعم أنه عبد الله . فقال محمد: أجل إنه عبد الله . فقالوا له: هل رأيت له مثلاً، أو أُنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده. فجاءه جبريل فقال له قل لهم إذا أتوك: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم (أسباب النزول للسيوطي سبب نزول هذه الآية). والظاهر أن مسيحيي نجران حاجوا محمداً وأفحموه فعجز عن الجواب. وقيل إنه قال لهم إن المسيح عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فغضبوا، وقالوا: يا محمد، هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فأتى بهذه العبارة المتقدمة.

– 2 اعتقاد المسيحيين في عصر محمد كان مثل اعتقادهم الآن، فالمسيح كلمة الله الأزلي، والخالق الرازق. وقد أفحم نصارى نجران محمداً حتى عجز عن الإجابة. ولكنه بعد التفكير والتروّي ومضيّ زمن قال إن مَثَل المسيح كمثَل آدم. وقد أخطأ أيضاً في هذا التمثيل، فإن آدم من التراب ترابي، والمسيح هو كلمة الله الأزلي وروح منه، وشتان بين الاثنين. وآدم عصى ربَّه وجرَّ البشر للخطأ، والمسيح لم يخطئ أبداً، وفتح أمام المؤمنين به أبواب الخلود قال الإنجيل: صَارَ آدَمُ الْإِنْسَانُ الْأَّوَلُ نَفْساً حَيَّةً، وَآدَمُ الْأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً .,, الْإِنْسَانُ الْأَّوَلُ مِنَ الْأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الْإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ ; (1 كورنثوس 15: 45 ، 47). وقال يوحنا: في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان . والقرآن ناطق في عدد 45 بأنه كلمة منه وفي النساء 4: 171 يقول: كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهذا يعني أنه كان موجوداً قبل أن يُحبَل به.

– 3 – وهنا خطأ لغوي، فالأصحّ أن يُقال قال له كن فكان .

– 4 – خُلق آدم من تراب، أما المسيح فهو روح الله وكلمته.

– 5 – عصى آدم وغوى، أما المسيح فكان باراً تقياً.

– 6 – القرآن يقول إن الله نفخ في آدم نسمة الحياة. ولكن المسيح لم تُنفخ فيه هذه النسمة، بل كانت في مريم، ثم أنه (المائدة 110) نفخ في الطين فصار طيراً!

– 7 – ألم يكن من الأبلغ أن يقول: إن مثل مريم عند الله كمثل آدم، كلاً نفخنا فيه من روحنا .

أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى، فكذا القول في عيسى عليه السلام، هذا حاصل الكلام، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، هذا تلخيص الكلام.

ثم ههنا مسائل:

المسألة الأولى: { مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } أي صفته كصفة آدم ونظيره قوله تعالى:

{ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ }[الرعد: 35] أي صفة الجنة.

المسألة الثانية: قوله تعالى: { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم، قال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا.

المسألة الثالثة: اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية، وقال:

{ يَـأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[النساء: 1]

وقال: { هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[الأعراف: 189]

ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوهاً كثيرة

أحدها: أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية

والثاني: أنه مخلوق من الماء، قال الله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً }[الفرقان: 54]

والثالث: أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى:{ الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَـنِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ }[السجدة: 7، 8]

والرابع: أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَـنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ }[المؤمنون: 12، 13]

الخامس: أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى:{ إِنَّا خَلَقْنَـهُم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ }[الصافات: 11]

السادس: إنه مخلوق من صلصال قال تعالى:{ إِنّى خَـلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }[الحجر: 28]

السابع: أنه مخلوق من عجل، قال تعالى:{ خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ }[الأنبياء: 37]

الثامن: قال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَـنَ فِى كَبَدٍ }[البلد: 4]

أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: الأول: ليكون متواضعاً الثاني: ليكون ستاراً الثالث: ليكون أشد التصاقاً بالأرض، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض، قال تعالى:{ إِنّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً }[البقرة: 30]

أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، وخلق السمٰوات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهاناً باهراً ودليلاً ظاهراً على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس: خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئاً لنار الشهوة، والغضب، والحرص، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طيناً وهو قوله { إِنّى خَـلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } ثم إنه في المرتبة الرابعة قال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَـنَ مِن سُلَـلَةٍ مّن طِينٍ } والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع:

أحدها: أنه من صلصال والصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت. والثاني: الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة، وتغير لونه إلى السواد. والثالث: تغير رائحته قال تعالى:{ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ }[البقرة: 259] أي لم يتغير.

فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام.

المسألة الرابعة: في الآية إشكال، وهو أنه تعالى قال: { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدماً على قول الله له { كُنَّ } وذلك غير جائز.

وأجاب عنه من وجوه الأول: قال أبو مسلم: قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد، وأما قوله { كُنَّ } فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله { كُنَّ }.

والجواب الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له { كُنَّ } أي أحياه كما قال: { ثم أنشأناه خلقاً آخر } فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً.

أجاب القاضي وقال: بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي: إما المزاج المعتدل، أو النفس، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي، ولا شك أنها من أغمض المسائل.

الجواب: الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك، تسمية لما سيقع بالواقع.

والجواب الثالث: أن قوله { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى:{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ }[البلد: 17]

ويقول القائل: أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين، ومراده: أعطيته اليوم ألفاً، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له { كُنَّ }.

المسألة الخامسة: في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال: ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال: { كُنْ فَيَكُونُ }.

والجواب: تأويل الكلام، ثم قال له { كُنْ فَيَكُونُ } فكان.

واعلم يا محمد أن ما قال له ربك { كُنَّ } فإنه يكون لا محالة