الهجمة الشرسة على التعليم


د.علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
تتعرض أمة الإسلام في هذه الأوقات إلى أشرس هجمة في تاريخها الحديث ، وهي – أي هذه الهجمة – أخطر من كثير من سابقها ذلك أن صراع الحق والباطل دائم لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها في سنة من سن الله عز وجل الماضية .
ولئن كانت الأمة قد تعرضت في فترات ماضية إلى الاستعمار والاحتلال العسكري ، ثم بعد ذلك تعرضت إلى الغزو والتخريب الفكري ؛ فإن مايحلّ بالأمة اليوم تجتمع فيه كل شرور الحملات الماضية وكل مخاطر الهجمات السابقة ؛ فإن كان ما سبق حفياً فإنه اليوم ظاهراً ولئن كان ما سبق متدرجاً فإنه اليوم شاملٌ ، ولئن كان ماسبق يأتي بشيء من التهاون ؛ فإنه يأتي اليوم قاهراً ، وذلك في نواحي شتاء لعل وقفتنا اليوم تتناول جانباً من أخطر هذه الجوانب وأعظمها ضرراً وفتكاً في الأمة ، وأكثرها تأثيراً في مستقبلها ، وتلكم هي الهجمة على التعليم الإسلامي .
ولعلنا نحتاج إلى وقفات كثيرة في هذه القضية المهمة الحساسة ، فالتعليم عقيدة وديانة وهوية وثقافة وتاريخ وأصالة .. إنه ليس مجرد معلومات تحفظ أو تجارب تؤدي أو مدارس تقام ، أو جامعات تشاد ! إنه فكر يصاب إنه روحُ تصبغ .. إنه هوية تظهر .. إنه تاريخٌ يستعاد وتمتد جسوره ما بين الماضي والحاضر ، بل وتتجاوز ذلك إلى المستقبل .
إن التعليم في كل أمة هو أساس بنائها وقاعدة حضارتها بل وهو أعظم أسباب قوتها ونحن نرى أهمية ذلك بكل ما نراه بواقع الحياة إن كل أمة لا تصوغ مناهجها إلا وفق عقائدها يوم كانت الشيوعية الحمراء ، كان ألف بائها : ” لا إله والحياة مادة ” ، واليوم في الحضارة المادية العمياء إلهها ” الدولار والمال “كما هو معلوم في حياة الناس ..كل أمة تتغلب على أمة أول أمرٍ تسعى إلى تغييره وتجديده هو التعليم لتصوغ الأجيال وفق مرادها ، ولتصبغ الأمة باريتها وشعاراتها .
واليوم تنكشف الهجمة العدائية ضد الإسلام مستهدفة التعليم الإسلامي بشكل مكثف وواضح في دعايات جوفا أن هذا التعليم يفرّخ الإرهاب بمفاهيمه المختلة المخلوطة الجائرة ، التي لا تزن الأمور بميزان عدل .
ولنا حديث قد يطول في هذا الأمر عن التعليم الديني وغير الديني عند اليهود في دولة المسخ الإسرائيلية ؛ فإن أولئك القوم في أصول كتبهم التي قد حرّفوها وبدّلوها ، وبالتالي أنشأ هذا التعليم كل صور العدوان التي نراها ، إن هذا التعليم وتلك الثقافة والعقيدة المنحرفة الزائغة هي التي نراها في الظلم الباغي ، و البطش الجائر ، والجبروت الذي لا يراعي حقوق إنسانية ، ولا أعراف دولية ، ولا قوانين أممية ، ولا غير ذلك مما يقال أو يبدع !
ولعلنا نقف عند هذا التعليم نؤكد على خطورته في كل الجوانب التي يتناولها .. إن الذي يقولونه في قضية التعليم الإسلامي والديني كذبٌ مردود عليه بواقع كثير من صور هذه الحياة التي نحياها قد مسخ التعليم – وللأسف – الشديد في كثير من الديار الإسلامية ، بل في بعض البلاد العربية والإسلامية لا يكاد يتخرج الطالب من مراحلها الثانوية بل والجامعية وهو لا يكاد يحسن قراءة قصار السور ، ولا يعرف سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا نزراً يسيراً لا يغنيه شيئاً وكذلك عنده من الفلسفات والأضاليل والأباطيل ما شوش على عقله كل صور الإسلام .. فما الذي نتج بعد ذلك ؟ وما الذي أخرجته هذه المناهج الممسوخة ؟ هل أخرجت أمة قوية متماسكة ؟ هل أخرجت أخلاقاً فاضلة ؟ هل أخرجت عقولاً واعية ؟ هل أخرجت قيماً حضارية كما يزعمونها ؟
أم أننا قد رأينا صور من المجتمعات الإسلامية وقد انسلخت من هويتها وضيعت دينها وأصبحت دليلاً تابعاً للحضارة المادية الغربية الإباحية المعاصرة ، فلا يكاد المرء حين يزور بعض البلاد يفرق بينها وبين بلاد الكفر خمورُ مباحة ، وسفورُ جائرُ وإباحية تكاد تكون أختاً للكفر والعياذ بالله . وماذا بعد ذلك في كل هذه الصور التي غيروها وحرفوها ؟
من أراد الله به خيراً ومن كانوا يحرصون على دينهم ومن كانوا على عقائدهم لم بجرفهم تلك المناهج ليست القضية في المناهج – وإن كان أثرها عظيم – لكنها في قضية الثبات والاستمساك بالحق ..
ومَثلٌ شاهدُ في الشيوعية التي امتدت سبعين عاماً ،لم تكن تسمح بأحرف من حروف القرآن إن يقرأ أو يتلو – فضلاً عن تعليم ديني – فعن ماذا أسفر الأمر وانتهى ؟ تحطمت الشيوعية وخرج من ركامها ومن تحت أنقاضها ومن الأقبية فتيةٌ صغارٌ ، وشبابٌ يحفظون القرآن ويرددونه ، ويقرأون الكتب الإسلامية ، وقد كانوا في ضلال الشيوعية يوزعون القرآن بين العشرة والعشرين ،كلٌ يأخذ منه جزء يقرؤنه في ظلم الليل في بلاد كانت مهداً ومقراً للحضارة الإسلامية والخلافة الإسلامية ، وكانت أول معقل تهدمت فيها هذه الخلافة في العصر الحديث كان في عهد ذلك الطاغية أتاتورك ممنوع أن يؤذّن حتى باللغة العربية وأن تدرّس العلوم الإسلامية ، وأن تتلى آيات القرآنية فكانوا يستيقظون بعد منتصف الليل في الأقبية على يحفظون القرآن أضواء الشموع ، وخرجت أجيال إلى اليوم هي من نتائج تلك الفترات العصيبة .
إن دين الأمة عزيز عليها ، وإن عقيدتها أعظم عندها من أن تقهر بكل الوسائل المادية والفكرية ؛ لأنها مغروسة في أعماق القلوب وأغوار النفوس .. إنها تجري مع الدماء في العروق .. إنها النَفَس الذي يتردد ، ولذلك لا نخشى من هذه الحملات شيئاً ما دامت عقيدتنا في قلوبنا ، وما دمنا نعلم أن نجاتنا في آخرتنا ، وفلاحنا في دنيانا مرتبط بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم .
إن هذه القضية التي يزعمونها والشبهات التي يرددنها كاذبة ! بدليل إن من يصفونهم بالإرهاب وُجِد منهم من هم أبناء جلدتهم ، فهل تعلّم هؤلاء في مدارس المملكة أو تخرجوا من الأزهر أو تلقنوا القرآن في هذه المدارس التي يزعمون أنها إرهابية ؟ من أين جاء أولئك ؟
إن القضية الاعتقادية والعلمي قضية لا تعالج بمثل ذلك ، وإذا رأينا الحق ؛ فإن التعليم الإسلامي المعتدل الذي يعلم القرآن والسنة لا يخرج إلا خيراً ، إن الوسيطة والاعتدال ثمرة حقيقية نافعة من ثمار التعليم الإسلامي والمنهج الرباني ، وإن الخوف والخشية من الله التي يبذرها ويغرسها المنهج التعليمي الإسلامي هي التي تمنع أصحابها من أن يخالفوا أمر الله وأن يجوروا أو يظلموا حتى مع أعدائهم لقوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .
وهي – أي هذه المناهج التعليمية – التي تخرج المبادئ الإنسانية والحقيقة الخلقية الفاضلة ، وذلك هو الذي نعرفه في واقع حياتنا ومجتمعنا أن التعليم الإسلامي أصيل في منهجنا أول آية من كتاب ربنا قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .
منهج التعليم في الوجود كله مضبوط بهذه الآية ، إنه علم وتعليم لكنه باسم الله وعلى منهج الله ، وللغايات التي رسمها منهج الله .. إنه تعليم يرد الخير للبشرية .. إنها قراءة على منهج رباني لا يحيد به المرء والمتعلم والأمة كلها إلى هذا الظلم الذي نراه والحضارة الطاغية الباغية التي نرى صورتها .. إنه منهج يعلمنا أول علم وأشرفه وأعظمه علم الإيمان بالله والاعتقاد الحق به ، وأن هذا العلم هو القاعدة التي ضوئها نعرف الحياة وعلومها وما فيها من خبايا في أرضها ، أو فيها من أمور في سمائها وفضائها :{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } .
أول علم هو علم التوحيد وعلم الإيمان وعلم المعرفة الحقيقية الصافية ، التي لا وجود لها اليوم إلا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
إن التوراة المحرفة والإنجيل المزيف اليوم تقرأ فيه كفراً بواحاً لا يليق أن يوصف به شذاذ ومفسدون من البشر فضلا عن أن ينسب إلى الله – عز وجل – أو أن ينسب إلى رسله وأنبيائه المطهرين والقرآن يعلمنا أن أساس العلم ومبدأه إنما هو من تعليم الله لقوله تعالى : { الرحمن علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان } .. { وعلم آدم الأسماء كلها } .
إن تعليمنا رباني .. إن معرفتنا إلهية .. إن أصول علمنا مبدأه من معرفتنا الحقة بالله وقرآننا قد جاء بكل جوانب الإشارات العلمية في هذه الحياة ، في كل جوانبها وتخصصاتها ومجالاتها المختلفة ، وبيان أن كل ذلك إنما هو قليل في علم الله – عز وجل – لقوله تعالى : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } .. { وفوق كل ذي علم عليم }
علم الله المحيط الشامل الذي أخبرنا الحق به في قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب أن ذلك على الله يسير } .. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه } .
يوم تستقر هذه المبادئ والحقائق لا يكون هذا الطغيان العلمي الذي استخدم اليوم لا فساد الحياة الإنسانية سوى كان في المجالات العسكرية المدمرة الباغية ، أو كان في المجالات العلمية التي تعدت الحدود الأخلاقية والإنسانية لتبعث بالحياة نفسها ، ولتمسخ حقيقة الإنسان ، بل وجاءت الحضارة بصناعتها وبهرجها لتفسد هذا الكون والحياة فيه بما هو معروف في القضايا الكبرى التي تتعلق بالبيئة والحرارة وغيرها في الأرض ، إن طغيان الإنسان بهذا العلم التقني المتقدم بعيداً عن منهج الله – عز وجل – هو الآفة الحقيقية ، وهو الإرهاب المدمر وهو الخطر الذي حال حياة البشرية اليوم إلى أعظم وأدق وأكثر الظروف حساسية في حياة هذه الكرة الأرضية .
إن أولئك القوم الذين يتزعمون تلك الحضارة ، ويظنون أنهم يحملون النور للناس ظلماتهم بعضها فوق بعض في قلوبهم مرسومة على وجوهم وظاهرة في أقوالهم وحياة شاخصة في وقائع ممارساتها في حياتهم الاجتماعية قد صاروا أدنى وأحقر من البهائم في إباحيتهم وشذوذهم وأمراضهم التي ابتلاهم الله عز وجل بها في حياتهم الأمنية ، في كل لحظة من لحظاتهم ، وثانية من ثانيات أوقاتهم جرائم لا تعد ولا تحصى ، أي حضارة يريدون أن يشيعوها في العالم ؟ وأي تعليم يريدون أن يقتبس منهم ؟
إن تعليم المادة إرث حضاري إنساني تشترك فيه الحضارة كلها ، ويأخذه كل جاد من كل ملة ودين ، فالواجب على المسلمين أن يستبقوا إليه ، وأن يأخذوه وأن يضبطوه بضوابط الإيمان ، وأن يسلكوه على منهج الإسلام ، وأن يجعلوه وفق القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية في هذا الدين العظيم ، الذي أكرمنا الله سبحانه وتعالى به ، والقرآن يعلمنا والمنهج في هذا طويل { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } .. القرآن يعلمنا حقيقة الدنيا ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يكشف لنا ذلك .
إن علمنا الحقيقي من القرآن يجعلنا نعرف الأمور معرفة حقيقية ويبصرنا بحقائقها ؛ حتى لا تكون الوسائل غايات أن من الناس من يعيش ليأكل ومن الناس من يأكل ليعيش وفرق ما بينهما عظيم .
إن الحياة المادية والحضارة الغربية اليوم قد ألّهت المادة حتى جعلتها هي الإله الأكبر المعبود ، وهي العبادة بالتعلق وبالاهتمام بالعناية بالحرص بالخوف عليها والرجاء فيها كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم 🙁 تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) .
سماه عبداً ؛ لأنه بذلك متعلق ، وبه منشغل ولتحصيله مجتهد فهذه عبادتهم هل يريدون أو هل يريد المسلمون أو هل يريد المتصدرون في قضايا التعليم أن نسير في هذا النهج فنصبح دنيويون لا دينين ، ونصبح ممن يعبدون الشهوات والملذات فننغمس فيها إلى آذاننا ، فلا نكاد نرى نوراً وإشراقاً وحياة قلب ولا روح تلك هي الصورة التي يجلّيها الواقع في حياة تلك الأمم ، ونحن قد أكرمنا الله – سبحانه وتعالى – بغير ذلك وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه أبي الدرداء عند الترمذي وغيره : ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة ) .
إننا في هذا الدين العظيم ليس هناك تعارض بين علماً ديني أو دنيوي .. إننا نأخذ علوم الدنيا باسم الله ، ونسيّرها على منهج الله ، ونبتغي بها الغاية العظمى من رضى الله عز وجل .
وإن تعليم ديننا إنما ينوّر لنا جوانب هذه الحياة ، وإنما يحثنا لنخرج خيراتها ، ولنتعلم في كل شؤونها وأحوالها ولنقود البشرية كلها إلى ما فيه خير الدنيا ونجاة الآخرة بإذن الله عز وجل ، وانظروا إلى تعظيم النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الأجر والمثوبة في العلم الذي يتعلق بحياة القلوب بالقرآن الكريم لقوله : أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق – وهما موضعان في المدينة – فيأتي بناقتين كوماوين – والناقة الكوماء هي الناقة العظيمة السنام – في غير أثم ولا قطيعة رحم ؟ فقالوا يارسول الله : كلنا يحب ذلك, قال صلى الله عليه وسلم:أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم, أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع, ومن أعدادهن من الإبل .
ثم انظروا إلى تراث أمتنا أن أمتنا العظيمة التي تلقت التعليم والهدي والمنهج الرباني والتعليمي عن سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم – هو الذي وضع من منهج القرآن ومن تطبيقه العملي الأسس الصحيحة للتعليم والتربية وللتعليم التطبيقي والمهني في كل جوانبه وليس هذا موضوع حديثنا وقد يتوالى لنا فيه أحاديث أخرى ، لكننا نرى كيف تعلم الصحابة ؟وكيف علموا من بعدهم كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزن بنا العشر من آيات حتى نعلم بما فيها من العلم والعمل فتعلمنا العلم والعمل معاً كما روى ذلك أبو عبدالرحمن السلمي يذكر فيه عليُ وعثمانُ رضي الله عنهم أجمعين .
ونحن نعرف أيضاً أن هذا التعليم كان سارياً في بيوت المسلمين في مساجدهم وفي معادهم كانوا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلموننا السورة من القرآن ، ربطاً بالأمة وبأصولها وبتاريخها وبأصول دينها . وقد سجل علماؤنا من الكتب في مناهج التعليم وطرائقه الكثير والكثير مما هو إلى يوم الناس هذا نبراس في هذه المناهج كتبوا في آداب المعلمين وفي آداب طلبة العلم ، وفي كل جانب من جوانبه ليس هذا في رسالة بن خلدون ، ولا في ما كتبه الغزالي ، ولا في غيره من كتب كثيرة لا يحصيها العاد والحاصي .
وقد قامت منارات التعليم في العالم في العالم الإسلامي وسبقت إلى كل النظم النظامية اليوم ، بل وافقتنا الغرب بذلك ولنا عنه حديثا المنصفون منهم يؤكدون أن كل حضارة اليوم أسسها مؤخوذة من العلوم والحضارة التي أقامتها أمة الإسلام يوم كانت مرتبطة بالقرآن وسائرة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فنسأل الله عز وجل أن يعيد أمتنا إلى دينها .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
أوصيكم وأوصي نفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .
وإن من تقوى الله عز وجل الحرص على التعليم الإسلامي تلقيناً لأبنائنا ، وحرصاً على ثبوته ووضوحه في مناهجنا ، ولقد تعرضت الأمة – كما قلت – في قضية التعليم إلى الهجوم سافر قديم ، وإلى مسخ وتشويه عظيم حتى أن بعض كبريات الجوامع والجامعات الإسلامية في أكثر أو في كثير من الدول الإسلامية العربية العريقة قد تعرضت من قبل إلى هذا المسخ فحرفت المناهج وطورت والحقيقة إنها دمرت .
وقريباً سمعنا كذلك عن تطورات في بعض البلاد الأخرى من معاهدها أغلقت أو مناهج خفضت ماذا يريدون .. يريدون – كما يقولون – تجفيف منابع الإرهاب الذي يريدون به أن يلوي أعناق الأمة ، وأن يحنوا ظهورها ، وأن يركبوا على ظهور الأمة ؛ ليقودها قيادة الأذلاء الأتباع كما قد نرى في صور كثيرة واضحة .
ولعلنا ونحن نقول ذلك نرى أن الحملة تتوجه أكثر وبشكل أظهر إلى هذه البلاد التي تضم الحرمين الشريفين ، التي هي فيها مهد الإسلام ومهبط الوحي والرسالة ، وتنكشف الحملة أكثر من أي وقت مضى ، دون أن يكون هذا التكثيف مختصاً بغيرها ، لماذا ؟ لأن هذه البلاد قد عصمها الله – عز وجل – من كثير مما حلَّ بغيرها ، فليس هناك ما يريدون تحقيقه مما تحقق في بعض البلاد الأخرى .. إنهم في غيظاً للتعليم المنفصل غير المختلط الذي يريدون أن يقولوا أنه من أسباب الإرهاب ، وكل شيء عندهم اليوم يربطونه بهذه القضية حتى صارت كلماتها موضعاً للضحاك والطرف والنوادر.
ويريدون أن يتكلموا عن الجامعات الإسلامية وأنها تدرس العداء للآخرين ويكثفون حملة شنيعة لماذا ؟ لأن هناك مزايا كثيرة ولأن هناك فوائد عظيمة ، ولأن هناك – بحمد الله عز وجل – معاقل حصينة يستهدفونها لينالوا من الأمة في صميمها وفي قلبها وفي موطن مهبط وحيها وقيام دولتها الأولى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إننا في وقفات عاجلة نذكر بعض ما هو – والحمد لله عز وجل – مثبت في السياسة التعليمية في هذه البلاد ؛ لنرى ما الذي يريدونه وما الذي يهدفون له ؟
من أهداف التعليم في السياسة التعليمية :
أولاً : تنمية روح الولاء لشريعة الإسلام
وذلك بالبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة واستقامة الأعمال والتصرفات وأحكامها العامة والشاملة ، إن هذه المبادئ التي تصد وتمنع من استيراد الأفكار والنظم المخالفة للإسلام هي المستهدفة في حقيقة الأمر .
ثانياً : تزويد الفرد بالأفكار والمشاعر والقدرات الأزمة لحمل رسالة الإسلام
إنهم يريدون أن نتخلى عن رسالة الإسلام ومن الأسس أيضاً تحقيق الخلق القرآني في المسلم والتأكيد على الضوابط الخلقية ، وبيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام ؛ فإن الإسلام دين ودنيا والفكر الإسلامي يفي بمطالب الحياة البشرية في أرقى صورها في كل عصر .
هذا الوضوح المنهجي الفكري الذي يوضع كقاعدة للتعليم هو الذي يراد أن ينسخ وأن يغير وأن يشوه ، وهذا كما قال الله عز وجل: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون } .
ثالثاً : تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد
ليصدروا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة .
وكثير من غير ذلك هذه النعم التي من الله بها هذه المناهج قد نحتاج لتطويرها ، لكن للأفضل من وجهه نظرها ومن خلال علمائنا وذوي الرأي فينا ، ومن اختصاصي التربية والتعليم ، لكننا لن نغير أو نطول وفق أهواء تحالفنا في عقائدنا وتنازعنا في حضارتنا وتحابنا في واقعنا ؛ فإن هذا لا يكون بحال من الأحوال إلا صورة من صور الاستسلام والضعف والهوان ، وذلك – بحمد لله – مالم يكن ولن يكون – بإذن الله – مادام فينا عروقٌ تنبض ، وإيمانٌ في قلوبنا يخفق ، وتصورٌ إسلاميٌ واضحٌ مَنَّ الله سبحانه وتعالى به علينا .
وإن حقيقة الهجمة على التعليم هي مسخ للهوية وأضعاف لوحدة الأمة ، وتكريس لتبعيتها لأعدائها ، فقضية خطيرة وأهدافه عظيمة الضرر كبيرة الأثر ، خاصة وأنها تتعلق بالأجيال والمستقبلية ؛ فإننا نعلم أن التعليم ينضم اليوم سائر الأبناء والصغار في المجتمعات كلها ؛ فإن هذه الأجيال إذا مسخت في فكرها وروحها وفي تاريخها وهويتها ؛ فإن ذلك يجعلها لقمة صائغة لأعدائها ، وذلك ما ينبغي أن نفطن له وإن نحرص عن الذبَ عنه والذود عن حياض الإسلام وعن أمتعتنا ، وعن هذه البلاد التي أكرمها الله بالحرمين الشريفين ، وجعل كل سياساتها المعتمدة المعتبرة محررة وفق هذا المنهج الإسلامي ، الذي نسأل الله عز وجل أن يبقي نعمته علينا ، وإن يزيدنا منه ، وأن يجعلنا جميعاً قادة وشعباً متآزرين عليه ، متواحدين لنصرته ، مدافعين عنه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً .