كيف دخلنا التيه؟


[الكاتب: محمد قطب]

إن الحرب الصليبية التي بلغت ذروتها في البوسنة والهرسك في أيامنا الأخيرة، قد بدأت في الحقيقة منذ عدة قرون… نستطيع أن نقول بشيء من التحديد إنها بدأت بطرد المسلمين من الأندلس، وقد سقطت آخر دويلة إسلامية في الأندلس عام 1492م [11]، بعد أن عملت محاكم التفتيش بكل فظائعها لإبادة المسلمين، والقضاء الكامل على الإسلام في تلك البقاع. ثم أمر البابا بمتابعة المسلمين خارج الأندلس، وفرض النصرانية عليهم بالسيف إن لم يستجيبوا لدعوة التنصير، وكانت الرحلات التي قام بها فاسكو داجاما وماجلان وغيرهما رحلات استكشافية، لكشف نقاط الضعف التي يمكن عن طريقها اختراق العالم الأسلامي توطئة لغزوه والاستيلاء عليه، وقد اضطرت كلها أن تسير في اتجاه مغاير للحملات الصليبية الأولى بسبب وجود الدولة العثمانية بقوتها الرهيبة في الشرق، وتوغلها الكاسح في شرق أوربا، فكان على الحملة الجديدة أن تدور حول أفريقيا، وتحاول غزو الأطراف البعيدة أولا قبل أن تتجه إلى قلب العالم الإسلامي، وبالذات إلى بيت المقدس، الذي انهزمت عنده الحملات الصليبية الأولى، وفي هذه المرة لم يكن بيت المقدس هدفا للنصارى وحدهم، بل اشترك اليهود معهم، ولكن لحسابهم الخاص!

وشهد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان – الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان – تركيزا شديدا في الحملة الصليبية، انتهى بالاستيلاء على معظم بلاد العالم الإسلامي، بعد معارك عنيفة بين المسلمين والصليبيين، انتهت كلها بهزيمة المسلمين أمام الغزو الكاسح، وخضوع العالم الإسلامي للغزو النصراني.

وبطبيعة الحال لم تحدث تلك الهزيمة اعتباطا، وإنما كان لها أسباب.

والأسباب الظاهرة هي التخلف الذي أحاط بالمسلمين في ميدان العلم، وميدان “التكنولوجيا”، وميدان الاقتصاد، وميدان التدريب الحربي والتسلح، وقد كانت هذه الأسباب كلها قمينة بإحداث الهزيمة العسكرية أمام الغرب الذي كان قد تقدم في كل تلك الميادين بمقدار ما تخلف المسلمون! ومعركة إمبابة الشهيرة بين المماليك ونابليون نموذج واضح لهذه الحقيقة، فقد استغرقت المعركة كلها عشرين دقيقة! ولم يكن ينقص المماليك الشجاعة الحربية ولا الرغبة في صد العدوان عن ملكهم، ولكن مدافعهم المتخلفة التي تحتاج إلى فترة زمنية بعد كل طلقة حتى تبرد ويمكن حشوها بالبارود من جديد، والتي يتناقص مداها كلما حميت، لم تكن لتصمد أمام المدافع التي تتتابع طلقاتها بسرعة وقوة وتمكن، ومن مدى أبعد مما تصل إليه مدافع المماليك.

ولكن الدراسة الواعية لتلك الفترة من التاريخ يجب ألا تقف عند الأسباب الظاهرة، فتفوتها عندئذ الحقيقة الكامنة وراء تلك الأسباب. إنما يجب أن تتعمق لترى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانهيار.

وحين يقوم المؤرخ المسلم بدراسة هذه الفترة من التاريخ فسيكون له بالضرورة موقف مختلف عن المؤرخ الأوربي، من ناحيتين اثنتين على الأقل.

الناحية الأولى أنه سيتتبع الروح الصليبية الدافعة إلى غزو العالم الإسلامي، التي يخفيها المؤرخ الغربي عامدا رغم وضوحها. فقد ظل الغرب يوحي إلينا أن غزوه الأخير للعالم الإسلامي لم يكن ذا صلة على الإطلاق بالروح الصليبية التي دعت إلى الحملات الصليبية القديمة، إنما هو منبعث من أسباب اقتصادية بحتة! فمرة سببه البحث عن التوابل! ومرة سببه البحث عن الخامات الرخيصة! ومرة سببه البحث عن أسواق لتصريف فائض المنتجات التي يصنّعها الغرب!

مع ان فاسكو داجاما – الرائد الأول للغزو الصليبي الحديث – قال بعبارة صريحة حين وصل إلى جزر الهند الشرقية – بمعاونة الخرائط الإسلامية، ومعاونة البحار المسلم ابن ماجد – قال: “الآن طوقنا رقبة الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت!”، كما أن ماجلان – وهو كذلك من الرواد الأوئل لهذا الغزو – ألح على البابا أن يأذن له بقيادة حملة صليبية بهدف محدد، هو ضم أراضي الفلبين تحت راية الصليب، ولما أذن له البابا على تردد – لعدم ثقته بقدرته على إنجاح حملته – ذهب بالفعل إلى الفلبين، ورفع الصليب على إحدى جزرها، فقتله المسلمون هناك وقضوا على حملته [12]!

وقد كانت للغرب مصلحة ظاهرة في إخفاء الوجه الصليبي للحملة الجديدة، اتقاء لإثارة الروح الدينية عند المسلمين، التي تبعث على “الجهاد المقدس” وهو أخطر ما يخشاه الغزاة – صليبين كانوا أو صهيونيين أو عباد بقر أو عباد أصنام – وقد ذاق الغزاة بأسه بالفعل في الهند والجزائر وغيرهما من البقاع.

كتب كرومر – المعتمد البريطاني في مصر أول أيام الاحتلال – في مذكراته المسماة “مصر الحديثة” – Modern Egypt -: “إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية! على رأس هذه البلاد هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس وإن كان من الواجب – منعا من إثارة الشكوك – ألا يعمل رسميا على تنصير المسلمين، وأن يرعى من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي، كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك”!

والهدف من هذا الكلام واضح… إبعاد المسلمين عن الإسلام دون إشعارهم أن الهدف هو إبعادهم عن الإسلام! وذلك منعا من إثارة الشكوك… أي منعا من إثارة الروح الدينية عند المسلمين، حين يتضح الوجه الصليبي على حقيقته!

ونفي الدافع الصليبي عن الغزو الصليبي الحديث كان يهدف إلى ذات الغاية التي قصد إليها كرومر، وهي عدم إثارة روح الجهاد المقدس ضد الغزاة، والسعي إلى ترويضهم بحيث يقبلون الأمر الواقع، وحتى إن اتجهوا إلى مقاومته، قاوموه بغير روح الجهاد المقدس التي يفزع منها الغزاة!

ولترويج هذه الفرية في نفوس المسلمين في البلاد المحتلة قال الغرب إنه ترك الدين منذ فترة! ولم يعد الدين هو الذي يحركه! إنما الذي يحركه هو “المصالح الاقتصادية” فحسب! ولاكت ألسن المسلمين هذه الفرية في فترة التيه، وروجها دعاة الغزو الفكري – بوعي أو بغير وعي – ليثبطوا أي تحرك جهادي إسلامي ضد الغزاة!

نعم! لقد نبذت أوربا دينها، فلم تعد تتحرك به داخل بلادها… ولكنها لم تنس قط الروح الصليبية الكامنة في دمائها، والتي تحركها دائما ضد الإسلام والمسلمين! وهذه الحقيقة – حقيقة نبذ أوربا لدينها، وبقاء الحقد الصليبي تجاه الإسلام مشتعلا رغم ذلك – قد أشار إليها المستشرق النمساوي “محمد أسد” في كتابه الشهير “الإسلام على مفترق الطرق” الذي ألفه بعد أن أعلن إسلامه، وحاول فيه تفسير هذه الظاهرة الغريبة التي قال إنه لم يحدث مثلها في التاريخ، فقال: إن هذا الحقد قد ولد في نفوس الأوروبيين في فترة طفولتهم الفكرية والحضارية، فلم تستطع فترة النضج التالية أن تمحوه من نفوسهم، لأن ما ينطبع في الطفولة يتبقى عالقا في النفس! [13].

ولسنا نحن في حاجة إلى شهادة محمد أسد ولا تفسيره، وعندنا شهادة الله سبحانه وتعالى وتقريره: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [14].

وعندنا مذبحة البوسنة والهرسك شهادة لا تحتمل التأويل.

فالمندوب البريطاني “أوين” الذي ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة البوسنة والهرسك يتكلم حين يتكلم كأنما بلسان الصرب، بل يطلب للصرب أحيانا أكثر مما يطلبون هم لأنفسهم، بل طالب في أكثر من مرة بمعاقبة المسلمين لأنهم لم يتقبلوا اغتيال الصرب الوحشي لهم في صمت ولا هتكهم لأعراضهم، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم بين الحين والحين!

والأمر الثاني الذي يجب على المؤرخ المسلم إبرازه بينما المؤرخ الأوربي لا يذكره على الإطلاق، هو أن السبب الحقيقي وراء كل ألوان التخلف التي أحاطت بالمسلمين في الفترة الأخيرة كان هو التخلف العقدي… التخلف عن حقيقة لا إله إلا الله.

إن الضعف ليس من طبيعة هذا الدين، وهو دين القوة والجهاد والتمكن، الذي اكتسح في سنوات معدودة الإمبراطورية الفارسية بأكملها ونصف الإمبراطورية الرومانية العتيدة، والذي هزم التتار في عنفوانهم وهزم الصليبيين في حملاتهم القديمة، واستقر في معظم الأرض المعمورة في وقته استقرار التمكن والرسوخ والنماء. إنما الضعف عنصر طارئ في حياة المسلمين لم يتأت لهم وهم مستمسكون استمساكا حقيقيا بدينهم، وسواء كان سببه الترف الذي أصاب الحكام العثمانيين بعد أن استتب لهم الملك والغلبة على الأعداء، أو حلقات الذكر الصوفي التي تستوعب طاقة المسلم الروحية فتصرفها عن الجهاد، وتحولها إلى سبحات روحية أشبه بالخدر منها إلى الوعي الحيّ، أو انتشار الخرافة والتعلق بالخوارق الموهومة والكرامات المنسوبة إلى المشايخ، الأحياء منهم والأموات، أو إهمال العلوم الكونية وإهمال عمارة الأرض والانصراف عن أسباب التمكن، أو الاستبداد السياسي الذي يجعل الناس ينصرفون إلى خاصة أنفسهم ويتركون الانشغال بالقضايا العامة التي تقرر مصاير الأمة، ويتركز “الدين” في حسهم في الشعائر التعبدية فحسب، أو تَحَوُّلَ الدين كله في النهاية إلى تقاليد تُرْعَى لذاتها ولكنها خاوية من الروح…

سواء كان السبب هذا أو ذاك أو ذلك فكلها ليست من طبيعة هذا الدين، ولاهي مستوحاة من نصوصه المنزلة أو سوابقه التاريخية حين كان مطبقا تطبيقا صحيحا في واقع الحياة.

والمؤرخ الأوربي المدقق لن تفوته معرفة هذه الحقيقة: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [15].

ولكنه لن يظهره وإن عرفه وتيقن منه: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [16].

فإنه لو أظهره فكأنما سيوقظ المسلمين إلى حقيقة انحرافهم عن مصدر قوتهم الحقيقي، وسيدعوهم إلى محاولة تغيير واقعهم، والعودة إلى حقيقة الإسلام التي لايمقت الغرب شيئا كمقته إياها، ولايخاف شيئا كخوفه منها.

بل لقد عمد المؤرخ الأوربي – وتبعه من تبعه من “المسلمين” الغارقين في التيه – إلى ما هو أسوأ من إخفاء تلك الحقيقة، فزعم أن “الدين” ذاته كان هو السبب في كل هذا البلاء! في الضعف والتخلف والخرافة والجهل والاستخذاء والقعود! وأنه لابد من نبذ الدين ليتحرر الناس من الجهل والخرافة، ويزيلوا الأغلال التي تمنعهم من الانطلاق! وحرص – وحرصوا معه – على منع أية إشارة تنبه الناس إلى حقيقة بعدهم عن حقيقة الدين، وأن الدين الحقيقي شيء آخر غير الذي يمارسونه باسم الدين!

حدثني ذات مرة صديق كنت أعمل معه في إدارة واحدة [17]، أنه التقى بأحد المستشرقين أثناء مرور الأخير بالقاهرة في أوائل الستينيات من هذا القرن الميلادي، فسأله عن جملة أشياء تتعلق بالإسلام والمسلمين وما يدور من أفكار بينهم، وفي أثناء الحديث سأله: هل تعرف فلانا؟ – وذكر له اسمي – فأجابه بالإيجاب، فسأله: هل هو من خريجي الأزهر؟ قال له: لا! إنه من خريجي قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة! فلم يخفِ عجبه – وإستياءه كذلك – من أن ينشغل واحد من خريجي هذا القسم – الذي أنشئ ابتداء لتخريج “علمانيين” يتبعون طريقة التفكير الغربية ومنهج الغرب في الحياة – أن ينشغل بأمور الإسلام، ويكتب في موضوعات دينية!

ثم راح المستشرق يكيل النقد لكتاباتي، وخاصة كتاب “شبهات حول الإسلام” [18] وكان أشد حنقه على أمر معين، هو أنني أنتقد مادية الغرب، وأهاجم حضارته المادية الخالية من الروح.

وقال لصديقي حانقا: ماذا صنعتم أنتم بروحانيتكم؟! لولا تقدمنا المادي ما استطعتم أنتم أن تعيشوا! فحدثه الصديق – رحمه الله – أنني أقول؛ بأن الإسلام ليس روحانية فحسب، وإنما هو يجمع بين عالم المادة وعالم الروح، ويدعو إلى بذل النشاط في كلا المجالين في آن واحد. فقال له: ولكن واقعكم خلاف ذلك! فقال الصديق – يتابع حديثه عني – “إنه يقول إن واقع المسلمين اليوم بعيد عن حقيقة الإسلام”! فانتفض الرجل من كرسيه حنقا وغضبا وقال: هو يقول ذلك؟! أين يقول هذا الكلام؟! قال: في كتاب له يسمى “هل نحن مسلمون”. فقال المستشرق وهو ينصرف في عصبية ظاهرة: هذا أمر خطير!

أمر خطير أن يتنبه أحد – أو ينبه الناس – إلى أن حقيقة الإسلام غير ما يمارس باسم الإسلام، وأن الواقع السيء الذي يعيشه المسلمون اليوم سببه البعد عن حقيقة الإسلام!

* * *

المؤرخ المسلم – في تناوله لتاريخ تلك الفترة – عليه من إسلامه واجب لابد أن يؤديه، هو أن يبين للناس السبب الحقيقي فيما حدث من هزيمة عسكرية أمام الغرب، وأن يفسر لهم كذلك سبب الهزيمة الروحية التي تلت الهزيمة في ميدان الحرب…

فأما الهزيمة الحربية فقد كانت نتيجة طبيعية لترك الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى القوة، ولكن ترك الأخذ بالأسباب كان هو ذاته نتيجةً للخلل العقدي الذي أصاب المسلمين فجعلهم ينحرفون بالدين عن حقيقته، ولا يعملون بمقتضاه.

فالفكر الإرجائي الذي أخرج العمل من مسمى الإيمان، وجعل الإيمان هو التصديق القلبي والإقرار اللساني فحسب، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين قالوا إن الإيمان قول وعمل، والذين كان في حسهم أن العلم الذي لايصحبه عمل ليس علما حقيقيا، وأن العمل هو الثمرة الحقيقية للعلم.

وقد أدى هذا الانحراف العقدي إلى تصور للدين غير صحيح، وسلوك بالدين غير صحيح، فزاد تفلت الناس من التكاليف بغير حرج في صدورهم، لأنهم – في وَهْم أنفسهم – مؤمنون صادقو الإيمان مهما تفلتوا، ما داموا مصدقين بالقلب، ومقرين باللسان!

والفكر الصوفي الذي أدى إلى تضخم “الشيخ” في حس “المريد” حتى صار واسطة بينه وبين الله، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح، الذين تعلموا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا وسطاء بين العبد والرب إلا العمل الصالح الذي يرضى الله عنه فيرضى عن صاحبه، وان من أعظم القربات إلى الله الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي إلى تقويم المجتمع إذا انحرف عن السبيل… وكان من نتيجة هذا الانحراف العقدي ألوان من شرك العبادة من جهة، وتعلق بالأوهام والخرافات من جهة، وتركٌ للعمل الإيجابي الذي يجري الله به التغيير في الأرض بحسب سنته الجارية، تطلعا إلى خارقة تتحقق على يد “وليّ” من أولياء الله تنحل بها المشاكل بلا تعب ولا نصب ولا انشغال بال!

والإيمان المختل بعقيدة القضاء والقدر، الذي يسقط مسئولية الإنسان عن أعماله حين يخطئ أو يقصر بدعوى أن ما يصيبه هو قضاء وقدر لاحيلة له فيه، ويدعو إلى الاستسلام السلبي لكل ما يقع، وعدم السعي إلى تغييره بدعوى أن العمل على التغيير هو بمثابة التمرد على قدر الله وعدم الرضا بقضائه، ويدعو إلى عدم الأخذ بالأسباب بدعوى أن هذا نقص في الإيمان، ودليل على عدم التوكل على الله… كل ذلك كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين كانوا أصفى الناس إيمانا بالقضاء والقدر، ولكنهم كانوا يعلمون من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بالقضاء والقدر لايسقط مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ أو يقصر، ولا يمنع السعي إلى التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله، وان التوكل الصحيح لا يمنع الأخذ بالأسباب، وأن حتمية تحقق قدر الله ومشيئته لا تتنافى كذلك مع اتخاذ الأسباب.

ففي وقعة أحد قال الله للمسلمين إن ما أصابهم من الهزيمة هو من عند أنفسهم لمخالفتهم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في الوقت ذاته قضاء وقدر: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ…) [19].

وحين وقعت الهزيمة لم يقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السعي إلى تغيير الموقف، فأخذ المسلمين – بجراحاتهم – للقاء العدو، فانصرف العدو بفضل الله وآثر الانسحاب دون قتال: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [20].

وتلقى الرسول صلى الله عليه وسلم توجيها من ربه له وللأمة المسلمة من ورائه أن يعدّ العدة ثم يتوكل على اللَه: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [21].

والعزيمة تقتضي الإعداد وإلا فهي مجرد أمانيّ لاتغير شيئا من الواقع.

وقرر الله سبحانه وتعالى أن الذين كفروا لن يسبقوا الله ولن يعجزوه، وأن قدر الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض ماضٍ ونافذ، ومع ذلك أمر المسلمين بالإعداد واتخاذ الأسباب في نفس السياق: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [22].

وقد أدى هذا الخلل العقدي في عقيدة القضاء والقدر إلى تواكل سلبي بدلا من التوكل الحق، وإلى إهمال اتخاذ الأسباب – ومن بينها أسباب القوة التي أمر الله بإعدادها لإرهاب عدو الله – وإلى انتشار الفقر والمرض والعجز، والقعود في الوقت ذاته عن محاولة التغيير.

والتصور المختل لطبيعة العلاقة بين الدنيا والآخرة، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، كان انحرافا عن حقيقة الدين، وعن منهج السلف الصالح الذين فهموا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني جزء من العبادة المطلوبة من الإنسان، وأن العمل للآخرة لايتنافى مع السعي في الأرض: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [23]، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [24].

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم القوم الذين زعموا أنهم يعملون للآخرة بأن يصوموا الدهر ولا يفطروا أو يقوموا الليل ولا يناموا، أو يعتزلوا النساء فلا يتزوجوا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “ألا إني أعبدكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” [25].

وقد أدى هذا الانحراف في تصور مقتضيات لا إله إلا الله إلى إهمال العلم بالطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من العلوم لأنها متعلقة بالأرض، وبالحياة الدنيا، فتخلف المسلمون في جميع الميادين.

من هنا يظهر جليا أن التخلف العلمي و “التكنولوجي” والمادي… إلخ، الذي كان سببا في الهزيمة العسكرية أمام الغرب قد نشأ أساسا من التخلف العقدي الذي تزايد في حياة المسلمين جيلا بعد جيل، وتراكم حتى غشّى على العقيدة الصحيحة فلم تعد تتبين من بين الركام، ولم تعد تعطى شحنتها الحية في حياة المسلمين.

ولكن القضية لا تنتهي مع المؤرخ المسلم عند هذا الحد.

فهناك قضية أخرى لا تقل عنها أهمية، ولا تقل عنها خفاء كذلك في حس الذين يحصرون رؤيتهم في الأسباب الظاهرة ولا يتعمقون وراءها إلى السبب الحقيقي.

وقعت الهزيمة العسكرية فتلتها في نفوس المسلمين هزيمة روحية، هي الاولى بالنسبة لهم في التاريخ.

وقد قلنا في أكثر من كتاب [26]؛ إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن لتحدث في نفوس المسلمين ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في المرة الأخيرة حين انهزمت جيوش المسلمين أمام الغرب

حقيقة إن المسلمين فوجئوا مفاجأة حادة – بعد الهزيمة – بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب الذي هزمهم، في العلم وفي “التكنولوجيا” وفي التقدم المادي والحضاري… وأن هذا كان له أثره في الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين.

ولكن الهزيمة العسكرية وحدها، وإدراك المسلمين للفارق الهائل بينهم وبين أعدائهم في الأسباب المادية، لم يكونا ليحدثا هذا التحول الهائل الذي حدث في حياة المسلمين، لولا الخواء الروحي والعقدي الذي كان في حياتهم قبل وقوع الصدام.

وقعت الهزيمة العسكرية من قبل فلم تغير شيئا في تصورات المسسلمين وأفكارهم وسلوكهم وعقائدهم…

وقعت أول هزيمة يوم أحد فأنزل الله قوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [27]، وكانوا مؤمنين بالفعل، فوعوا الدرس، وأفافوا من هزيمتهم، وعلموا أنهم الأعلون بإيمانهم مهما حدث لهم من هزيمة مؤقتة أمام عدوهم. فلم يهنوا بعد ذلك في مواجهتين عظيمتين خطيرتين وقعتا بينهم وبين التتار مرة، وبينهم وبين الصليبيين مرة، وقد كانت الهزيمة أمام التتار ساحقة…

اكتسح التتار بغداد، وأزالوا الخلافة العباسية، وأذلوا المسلمين إلى حد لا يتصور. فكان التتري يخرج من بيته وليس معه سلاحه، فيلقى المسلم في الطريق، فيقول له: ابق هنا حتى أحضر السيف لأقتلك، فيقف المسلم صاغرا مستسلما حتى يعود التتري بسيفه فيقتله… وليس بعد ذلك إذلال!

ولكن أرواحهم لم تذل!

لم ينظروا إلى التتار نظرة إكبار! لم يعتقدوا أن التتار خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون! إنما كانوا في حسهم برابرة همجا متوحشين، وقبل ذلك كله وثنيين لايعرفون الله، ولايدينون دين الحق.

وانهزم المسلمون أمام الصليبيين في مبدأ الأمر، وأقام الصليبيين دويلات لهم في بعض بقاع العالم الإسلامي استمرت ردحاً من الزمن يتسلطون فيها على المسلمين ويهينونهم ويذلونهم…

ولكن أرواحهم لم تذل!

لم ينظروا للصليبيين نظرة إكبار! لم يعتقدوا أن الصليبيين خير منهم بسبب أنهم هم الغالبون! إنما كانوا في حسهم هم المشركين عبّاد الصليب، وفوق ذلك كانوا يقولون عنهم إنهم دياييث لا أعراض لهم، بسبب التحلل الأخلاقي الفاشي في حياتهم، وضعف الحمية فيهم لأعراضهم… ومن أجل ذلك كانوا يحتقرونهم.

ثم جاء النصر من عند الله حين توجه المسلمون بالعقيدة الصحيحة إلى الله، واتخذوا الأسباب، فكانت صيحة “وا إسلاماه” على لسان قطز، وهجمته الصادقة على التتار في عين جالوت تغييرا في صفحة التاريخ، فلم ينتصر المسلمون فحسب، بل بدأ التتار يدخلون في الإسلام بعد هزيمتهم أمام المسلمين. كما كان توجه صلاح الدين إلى إصلاح عقيدة الناس، واتخاذ الأسباب، إيذانا بالنصر الحاسم الذي أعاد بيت المقدس، وصد الصليبيين عن الشرق الإسلامي عدة قرون، ثم تعدى الأمر آثاره المحلية، إذ بدأت أوربا نهضتها مستمدة من الحضارة الإسلامية بعد هزيمتها أمام المسلمين! [28].

فإذا نظرنا من ناحية أخرى إلى قضية الفارق “الحضاري” بين المسلمين وأعدائهم، فقد كان الفارق هائلا جدا لصالح الأعداء حين التقى المسلمون مع الفرس ومع الرومان، وهم صفر اليدين من أسباب الحضارة المادية أو يكادون…

ولكن ذلك الفارق الهائل لم يستوقفهم لحظة واحدة ليفكروا فيه، ولا كان له في حسّهم وزن… أي وزن!

وانظر إلى ربعي بن عامر وهو يدخل بكل عزة الإيمان على رستم في أبهته وطنافسه وبذخه، فينظر إلى ذلك كله باحتقار بالغ، ويتعمد إعلان ازدرائه له وتحقيره، فيخزّق بسن رمحه سجاجيدهم، ويربط حماره القصير الأرجل في بعض ما يعتزون به من فراشهم، ثم يقول لرستم حين سأله: ما الذي أتى بكم إلى بلادنا؟: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة…”.

أي عزة بالإيمان إزاء الاعتزاز الكاذب بكل “الحضارة المادية” وكل متاع الأرض!

ولكن موقف المسلمين من الهجمة الصليبية الأخيرة لم يكن كذلك… لم يكن موقف الإعتزاز بالعقيدة الصحيحة، ولا الاعتزاز بالإيمان… إنما كان الذلة النفسة والإنكسار…

أو قل؛ هو الإنبهار…

لأول مرة في تاريخهم ينظرون إلى أعدائهم على أنهم أعلى منهم… لا في مجالات العلم و “التكنولوجيا” وآلات الحرب، فذلك ظاهر… ولكن في الأفكار… والنظم… والعقائد… وأنماط السلوك…

لم يكن السبب هو الهزيمة العسكرية، ولا فارق الحضارة المادية…

إنما كان الخلل في الإيمان… في موطن العزة والاستعلاء؛ (… وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [29] .

كان السبب هو الخواء العقدي الذي وقعت فيه الأمة عدة قرون…

لذلك أدت الهزيمة العسكرية إلى الانبهار…

وحين بدأ الانبهار… دخلت الأمة في التيه…

[11] احتفلت أسبانيا في عام (1992م) بمرور خمسمائة سنة على طرد المسلمين من الأندلس وبمناسبة هذه الذكرى بالذات اختيرت مدريد مكانا ” للمفاوضات ” بين العرب واليهود في قضية فلسطين.. أي قضية طرد المسلمين من الأندلس الثانية! ووافق العرب!

[12] ومع ذلك ندرس نحن لأبنائنا أن هذه الرحلات كانت رحلات استكشافية “علمية”! ونقول لأبنائنا إن “المتبربرين” لم يقدروا الروح العلمية التي دفعت ماجلان للقيام برحلته فقتلوه!

[13] انظر كتاب “الإسلام على مفترق الطرق” ترجمة عمر فروخ ص 58-59.

[14] سورة البقرة: 120

[15] سورة البقرة: 146

[16] سورة البقرة: 146

[17] إدارة الثقافة العامة بوزارة التعليم العالي بالقاهرة.

[18] أثار هذه الكتاب بالذات حنق أكثر من واحد من المستشرقين، لأنه يرد على الشبهات التي حاولوا جاهدين أن يصرفوا الناس بها عن التمسك بالإسلام، ولأنه يكشف للناس عن مساوئ الحضارة الغربية التي ينادي بها أولئك المستشرقون بديلا من الإسلام.

[19] سورة آل عمران: 165- 166

[20] سورة آل عمران: 172- 174

[21] سورة آل عمران: 159

[22] سورة الأنفال: 59-60

[23] سورة الملك: 15

[24] سورة القصص: 77

[25] أخرجه الشيخان.

[26] انظر على سبيل المثال كتاب “واقعنا المعاصر”.

[27] سورة آل عمران: 139.

[28] هذه النقطة لم تأخذ حظها من الدراسة العلمية الواجبة لها، وهي تأثير هزيمة الصليبيين أمام المسلمين في نهضة أوربا، وقيام هذه النهضة على أسس مستمدة من الإسلام. والسبب أن الأوربيين نادرا ما يعترفون بذلك، وأن المسلمين في هزيمتهم الحالية لا يصدقون أن الإسلام كان له ذلك الأثر في حياة أوربا! وهي قضية جديرة بدراسة علمية موسعة.

[29] سورة آل عمران: 139