الأباطيل المتعلقة بما في القرآن عن أنبياء الله تعالى


 

الأنبياء رسل الله إلى خلقه من الجن والإنس، وهم صفوته منهم وحملة رسالاته ووحيه إليهم، اختارهم الله واصطفاهم لهذه المهمة الشريفة من بين سائر عباده ﴿ وسلامٌ على عباده الذين اصطفى أالله خيرٌ أما يشركون ﴾ (النمل: 59)، فهم أبر الناس، وأكرمه،م وأجلهم، عصمهم الله من الكفر، ونزههم عن مقارفة الكبائر بتوفيقه ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ (يوسف: 24)، فالمرسول على قدر المرسِل.

لكنهم صلوات ربي وسلامه عليهم – رغم عصمة الله لهم من الكبائر – فإنهم كسائر بني آدم، بشر يصيبون ويخطئون، وينالهم ما يصيب غيرهم من عوارض البشرية، وقد قال : «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة». قال عبد الله بن عمرو راوي الحديث: أحسبه قال: «ولا عملها »( )، وفي رواية ابن عباس، وفيها ضعف: «ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ ، أو هم بخطيئة ، ليس يحيى بن زكريا»( )، فالحديث يفيد عصمة نبي الله يحيى دون سواه من الأنبياء عن الصغائر التي تجوز في حقهم، وكما قال ابن بطال فإن المسلمين “اختلفوا، هل يجوز وقوع الذنوب منهم؟ فأجمعت الأمة على أنهم معصومون فى الرسالة، وأنه لا تقع منهم الكبائر.. وقال أهل السنة: جائز وقوع الصغائر من الأنبياء“( ).

وقد ذكر القرآن الكريم وقوع بعض الأنبياء في صغائر الذنوب، وذكر استغفارهم الله وتوبتهم منها، ومنه قوله تعالى عن أبينا آدم: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه:121- 122)، وقوله على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ (الشعراء: 82)، وقوله عن النبي : ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (الفتح: 2)، فهم بشر يخطئون، لكنهم – عليهم الصلاة والسلام- أعرف الناس بربهم، وأخوفهم له، وأسرعهم إليه توبة، وأقلهم مواقعة لمعصيته، فـ “الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا .. وكل ذلك مما لا يزرى بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور [أي كانت نادرة]، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة“( ).

وهذه الذنوب الصغائر لندرتها ؛ فإنها تغور في بحور حسنات الأنبياء الذين سبقوا إلى الله بالعمل الصالح ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين﴾ (الأنبياء:90).

وإزاء هذا التصور الإسلامي لمقام النبوة تثور مفاهيم باطلة؛ يزعم أصحابها فيها أن القرآن أساء إلى أنبياء الله الكرام، وانتقص من أقدارهم، والعجب كل العجب أن هذه الغيرة المزعومة على الأنبياء صدرت ممن تطفح كتبه بنسبة الكفر والكبائر من الذنوب والإثم إلى الأنبياء، ففي توراتهم التي يؤمن بها كل من اليهود والنصارى أن نوحاً عليه السلام سكر وظهرت عورته أمام أبنائه (انظر التكوين 9/25 – 26)، وأن لوطاً أسكرته ابنتاه، وضاجعتاه، وأنجبتا منه (انظر التكوين 19/30 – 37)، وأن هارون عليه السلام صنع العجل الذهبي لبني إسرائيل ليعبدوه من دون الله (انظر الخروج 32/2-4)، وأنه وأخاه موسى – عليهما السلام – خانا الله (التثنية 32/51)، ولم يؤمنا به (انظر العدد 20/12).

ولا تخص التوراة النبي موسى بالأمر بقتل النساء والأطفال (انظر العدد 31/14 – 18)، بل تنسب هذا الفعل المريع الشنيع إلى وصيه النبي يوشع بن نون (انظر يشوع 6/20-24) ، وإلى نبي الله داود الذي تزعم الأسفار أنه لم يكتف بقتل النساء والأطفال، بل عمد إلى نشر أعدائه الفلسطينيين بالمناشير، وحطم عظامهم بالفؤوس قبل أن يحرقهم في الأفران (انظر صموئيل (2) 12/31) و(الأيام (1) 20/3).

وقد نال هذا النبي الكريم الأواب وابنه الحكيم سليمان النصيب الأكبر من الجرح والسوء، فيذكر سفر صموئيل أنه رقص حتى تكشفت عورته أمام عبيده (انظر صموئيل (2) 6/14 – 20)، وأنه قتل مائتين من الفلسطينيين، وقطع غُلُفهم ليقدمها مهراً لزوجته ميكال ابنة الملك شاول (انظر صموئيل (1) 18/27)، وأنه حين تولى الملك ضاجع زوجة قائده أوريا، فحبلت منه، فدفع زوجها للموت ليستر على فعلته (انظر صموئيل (2) 11/2-26).

 وأما ابنه النبي الحكيم سليمان ؛ ففي التوراة – التي يؤمن بها الطاعنون في القرآن الكريم – أن نساءه الوثنيات أملن قلبه في شيخوخته إلى آلهتهن، فبنى معابد للأوثان ، تُعبد فيها الأصنام من دون الله (انظر الملوك (1) 11/3-11).

وهكذا ، سلسلة طويلة لا تنتهي من الإساءات إلى أنبياء الله تمتلئ بها صفحات كتب الطاعنين في القرآن، الذي يقابلها بقول الله للنبي عن هؤلاء الأنبياء: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ (الأنعام:90).

ولكن صدور تلك الإساءات إلى الأنبياء في كتب الطاعنين لن يكون كافياً في الذَّبِّ عن القرآن الكريم، بل لابد من التعرض بالتفصيل والشرح والبيان لحقيقة هذه الأباطيل.

أولاً: هل وقع آدم في الشرك؟

قالوا : القرآن ينسب الشرك إلى الأنبياء، فقد نسبه إلى آدم بقوله: ﴿ هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرينفلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ (الأعراف: 190)، واستدلوا لذلك بما أورده المفسرون من حديث سمرة المرفوع إلى النبي : «ولما ولدت حواء طاف بها إبليس -وكان لا يعيش لها ولد – فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره»( )، قالوا: والحارث اسم الشيطان حين كان في الجنة.

والجواب: أن القرآن يثني على آدم عليه السلام أعظم الثناء وأزكاه ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ (آل عمران: 33)، ويؤكد على هدايته واصطفاء الله له بعد توبته من أكل الشجرة ﴿ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: 122)، ولا يمكن لمن مدحه الله هذه المدحة أن يكون مشركاً بالله.

وبالعود إلى الآية المستشكلة في معناها نجد أنها بدأت في الحديث عن آدم وزوجه، ثم انتقلت للحديث عن ذريته وما وقعوا فيه من الشرك بالأصنام، وهذا التفسير مشهور عند العلماء ، نقله المفسرون عن جملة من التابعين، قال السدي: “هذه فصلٌ من آية آدم ، خاصة في آلهة العرب .. هذا من الموصول المفصول، قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾، في شأن آدم وحواء، ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنِهما “( ).

وقال أبو مالك: “هذه مفصولة إطاعة في الولد ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه لقوم محمد“.

وهذا الالتفات في الخطاب من غير التنبيه على فصل الحديث وانتقاله معهود في القرآن، وأمثلته كثيرة، ذكر السيوطي بعضها بعد أن نقل الآثار السابقة وغيرها من تفسير ابن أبي حاتم( ).

ومن صوره ما جاء في قصة آدم ﴿ قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعضٍ عدو فإما يأتينكم مني هدًى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقىومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ (طه: 123-124)، فالحديث أول الآية عن آدم وحواء ﴿ قال اهبطا منها جميعاً ﴾، ثم انتقل بلا فصل للحديث عن ذريته ﴿بعضكم لبعضٍ عدو فإما يأتينكم مني هدًى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾.

ومما يشهد لصحة هذا التأويل ويدل عليه قوله تعالى في آخر السياق: ﴿فتعالى الله عما يشركونأيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ (الأعراف: 191) وما بعدها ، فقد انتقل من الحديث عن الاثنين (آدم وحواء) إلى الحديث عن الجمع (ذريته).

والسياق أيضاً بيِّن في أن المقصود من الشرك عبادة الأصنام؛ لا الشيطان المذكور في قصة آدم ﴿ولا يستطيعون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرونوإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتونإن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين﴾ (الأعراف: 192-194).

ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿ أيشركون ما لا يخلق ﴾، فقوله ﴿ما﴾ يبين أن المتحدث عنه مما لا يعقل، وهو الأصنام، ولو كان المتحدث عنه الشيطان لقال: (أيشركون من لا يخلق).

ويدل على صحة هذا التأويل أيضاً أن آدم في حديث الحشر يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة متذكراً ذنبه الأكبر، فيقول: «ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله ، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح»( )، فلو كان وقع في الشرك لذكره في هذا الموطن، فهو أعظم من الأكل من الشجرة، وهو في موطن الاعتذار والإقرار والبراءة من ذنبه، ومحال أن يعتذر عن الصغير ويغفل الكبير.

وأكد البغوي في تفسيره أن في الآية محذوفاً في قوله: ﴿ جعلا له ﴾ : “راجع إلى جميع المشركين من ذريَّةِ آدم ، وهو قولُ الحسنِ ، وعكرمة ، أي : جعل أولادهما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم؛ كما أضاف فعل الآباء إلى الأبْنَاءِ في تعييرهم بفعل الآباء فقال : ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل ﴾ (البقرة: 51)، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ (البقرة: 72 )، خاطب به اليهُود الذين كانوا في عهد النبي ، وكان ذلك الفعل من آبائهم“( ).

وبقي لنا أن ننبه إلى أمرين أخيرين:

الأول: ضعف حديث سمرة الذي فيه أمر الشيطان لآدم بتسمية ابنه عبد الحارث، لأن في سنده الحسن يرويه عن سمرة بصيغة العنعنة، وهو مدلس .

قال الذهبي: “كان الحسن كثير التدليس ، فإذا قال في حديث : عن فلان ، ضعف احتجاجه“( ).

قال الألباني: ” ضعيف .. وأعله ابن عدي في ” الكامل” بتفرد عمر بن إبراهيم وقال: وحديثه عن قتادة مضطرب “( )، واستدل لتضعيفه بما نقله ابن كثير من تفسير الحسن للآية، فقد جاء تفسيره مخالفاً للمروي عنه في هذا الأثر: “قال [أي الحسن]: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم ..عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده”، فقوله هذا مبطل لما روي عنه.

 ثم عقب ابن كثير بقوله: ” وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن، رحمه الله، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وَوَرَعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم، مثل: كعب أو وهب بن مُنَبّه وغيرهما“( ).

والثاني: أن ليس في الحديث – على فرض صحة الحديث والقصة – ما ينسب إلى آدم الشرك في عبادة الله، بل غاية ما ينسبه الشرك في التسمية ، حيث سمي الولد “عبد الحارث”، وفرق بين النوعين كبير، قال قتادة: “فأشركا في الاسم . ولم يشركا في العبادة “.

وقال القرطبي: ” قال المفسرون : كان شركاً في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية، وقال أهل المعاني : إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، فسمياه به، كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه، كما قال حاتم :

 وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً             وما فيَّ إلا تيك من شيم العبد “( ).

ثانياً: شك إبراهيم عليه السلام

قالوا: القرآن اتهم إبراهيم بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيزٌ حكيمٌ﴾ (البقرة: 260).

 كما نقل عنه أنه قال عن الشمس والقمر: إنهما ربه ﴿ فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالينفلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر ﴾ (الأنعام: 77-78).

والجواب: أن إبراهيم عليه السلام – حسب القرآن – هو المثال الأعلى للمؤمنين ، فقد اصطفاه الله ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ (آل عمران: 33)، وأمر بالتزام دينه ﴿ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ (آل عمران: 95)، فدينه أحسن الأديان ، وهو خليل الله ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسنٌ واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ (النساء: 125) وأمر بالتأسي به ﴿ قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ (الممتحنة : 4).

وأما الشك في الإيمان فهو منفي عنه ، بدليل قوله تعالى : ﴿ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ ، فقد آمن عليه الصلاة والسلام بقدرة الله على الإحياء، وانعقد قلبه على ذلك، وسأل الرؤية لما أراد أن يترقى في معارج الإيمان بالانتقال من حال علم اليقين ، وهي حالة ذهنية متيقنة إلى حال عين اليقين، أي مشاهدته، فسؤاله طلب لليقين بعد اليقين.

وقد نفى الشك عن إبراهيم بقوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»( )، أي هو منزه عنه كتنزيه النبي عنه.

وأما قوله عن الشمس والقمر أنها ربه؛ فكان من باب تبكيت الخصم وإقامة الحجة عليهم، قال الرازي: “هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه“.

 وقوله عليه السلام عن الشمس والقمر والكوكب: ﴿ هذا ربي﴾ إنما هو نوع من التدرج في إبطال ربوبيتها بدليل قوله تعالى في السياق: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾.

 وقد ذكر الرازي وجوهاً في توجيه قول إبراهيم عليه السلام منها ” أنه أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب، إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبُعد طباعهم عن قبول الدلائل؛ أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة، وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب، مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله، وتمام التقرير أنه لما لم يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر“( ).

وقال ابن تيمية: ” قاله على سبيل التقرير، لتقريع قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي”( )، وقال : “قيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه، فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصاً آفلاً “( ).

والعودة الفاحصة للآيات تكشف لكل حصيف ما تتضمنه الآيات من تعظيم إبراهيم لله عز وجل دون سواه: ﴿ فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالينفلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركونإني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركينوحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيءٍ علماً أفلا تتذكرونوكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمونالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدونوتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء إن ربك حكيمٌ عليمٌ﴾ (الأنعام 77 -82).

ثالثاً: هل شك يونس عليه السلام في قدرة الله؟

قالوا: القرآن يتهم النبي يونس بأنه شك في قدرة الله ، وهذا كفر، فحين أرسله الله إلى أهل نينوى لم يذهب إليهم، وذهب إلى البحر ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (الأنبياء: 87).

والجواب: لن يجد القارئ كتاباً لأمة من الأمم يعظم الأنبياء كما عظمهم القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي ينزه الأنبياء عن النقائص، فضلاً عن الكفر بالله.

وقد فضل الله يونس مع إخوانه الأنبياء على العالمين: ﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين﴾ (الأنعام: 86).

وإنما أُتي القائل لهذه الشبهة من سوء فهمه، فليس مقصود الآية أن يونس ظن أنه معجز لله، بل المعنى أنه ظن أن الله لن يقدر عليه، أي لن يضيق عليه ويلومه في ذهابه عن قومه حين لم يستجيبوا لدعوته ، فهي كقول الله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ (الطلاق: 7) أي ضيق عليه، وكقوله: ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ (الرعد: 26)، وهذا المعنى منقول عن ابن عباسوعن غيره من التابعين( ).

وحفاظاً على منزلة يونس بن متى في قلوب المؤمنين نهى النبي عن تفضيل المرء نفسه على هذا النبي الكريم: «لا ينبغى لعبد أن يقول إنه خير من يونس بن متى»( )، وفي رواية: «من قال: أنا خير من يونس بن متى؛ فقد كذب»( ).

رابعاً: همُّ يوسف عليه السلام

قالوا: نسب القرآن إلى الصديق يوسف عليه السلام الهمَّ في الخطيئة مع زوجة العزيز ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ (يوسف: 24)، وتمتلئ كتب التفسير بصور مشينة لهذا الهمِّ الفاسد الذي لا يليق بنبي كريم.

والجواب: لو قرأ الطاعنون في القرآن تمام الآية لأدركوا منزلة يوسف وعصمة الله إياه من الذنب: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ﴾ (يوسف: 24 ).

وقد شهدت امرأة العزيز له بالخيرية والعصمة بقولها: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين ﴾ (يوسف: 32).

ولئن همَّت امرأة العزيز بالفاحشة؛ فإن يوسف عليه السلام لم يقع منه الهمُّ أصلاً؛ وهذا منطوق الآية لمن فهم لغة العرب وطرائقهم في البيان، فالآية تثبت لامرأة العزيز الهمَّ ﴿ولقد همت به ﴾، لكنها تنفي الهمَّ بالمعصية عن الصديق يوسف ﴿ وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾، و (لولا) عند العرب تفيد امتناعاً لوجود ، أي لم يحصل الفعل لوجود ما منعه، فلم يتحقق الهمّ بالخطيئة لأنه رأى برهان ربه.

قال أبو حاتم : “كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن ، فلما أتيت على ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ قال : هذا على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها“( ).

ومثله في قول الله تعالى عن أم موسى: ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾ (القصص: 10)، فهي لم تبد لهم بحقيقة أمومتها لموسى؛ لأن الله ربط على قلبها.

ومثله في قول الله لنبيه : ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً ﴾ (الإسراء: 74)، فالركون لم يقع منه لوجود التثبيت من الله تعالى، وكذلك الهمُّ لم يقع من يوسف عليه السلام لوجود برهان الله أي تثبيته وعصمته.

ومثله في كلام الناس معروف: لقد رسبتُ لولا أني درست، فهو يفيد النجاح لا الرسوب، وأن ذلك سببه الدراسة.

ولو فرضنا وقوع الهمِّ بالفاحشة من الصديق يوسف؛ فإن الهم في لغة العرب حديث النفس بمواقعة أمر، فإن كان الهم في أمر حسن فهو حسن، وإن كان في أمر سوء لم يكن سوءاً إلا بترقي الهمِّ إلى العزم أو العمل( ) ، وإلا كان تركه لله سبباً في اكتساب الحسنات والمنزلة عند الله ، يقول النبي فيما يرويه عن ربه: «يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه؛ حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف»( )، فلو وقع همُّ بالسوء من يوسف فهو له حسنة، لأنه لم يقع منه فعل، فقد تركه لله وخوفاً منه «وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة».

وأخيراً فإن ما ورد في بعض كتب التفسير من أقوال في هم يوسف لم يصح منه شيء عن النبي ، وهي ومثلها من الإسرائيليات كثير في كتبهم التي لم تخلو من أساطير الأولين وحكاياتهم؛ الغث منها والسمين، ورحم الله أبا حيان الأندلسي فقد أصاب وأجاد في قوله: “طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّين ، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق. والذي أختاره: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ بها البتة ، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله .. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك ، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً ، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين ، فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة .. وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره ، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب ، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة ، وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين“( ).