الكلام المفكك


جاء فى سورة الإسراء: (وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) (1). (وقرآنا فرقناه) : نزلناه مفرقاً منجماً ” فإنه نزل فى تضاعيف عشرين سنة ” (لتقرأه على الناس على مكث): على مهل وتؤدة. فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم (ونزلناه تنزيلا) حسب الحوادث ، بعد هذه المقدمة قالوا:

” كيف يكون القرآن وحياً ، وهو متقطع مفرق يأتى بعضه فى وقت ، ويتأخر بعضه إلى وقت آخر ، لقد كان محمد يرتبك عندما كان العرب أو اليهود أو النصارى يسألونه. وأحياناً كان يحتج بأن جبريل تأخر.

الرد على هذه

الشبهة:

إنهم يستبعدون أن يكون القرآن وحياً لأنه لم ينزل مرة واحدة. فنزوله مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين سنة ينفى عنه كونه وحياً من عند الله ، هذه واحدة ويثبت أنه كلام مفكك ، وهذه ثانية ونقول لهم على وفق طريقتهم:

ونحن نسأل:

من أين لكم هذا الدليل ؟ أَنَزل عليكم وحى من الله قال لكم فيه: إن كل وحى من عندى يكون نزوله دفعة واحدة. وكل ما خالف هذا لا يكون وحياً ؟ ! هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. هذا عن الأولى.

أما عن الثانية ، فمن يجاريكم من العقلاء على هذا المعيار الذى وضعتموه لمعرفة الكلام المفكك الذى تتهمون كلام رب العالمين به ؟

إن الكلام المفكك عند العقلاء هو الكلام الذى لا يناسب بعضه بعضاً ، لامن حيث المفردات والتراكيب ولا من حيث المعانى والدلالات. وهذا معيار عام لا يخص كلاماً دون كلام ، فمن الناس من يكتب كتاباً فى سنة ، أو خمس ، أو عشر ، ويأتى ما كتبه آية فى الجودة والإتقان. ولو قدر لإنسان أن يكتب كتاباً من مائة صفحة فى ساعة أو ساعتين أو ثلاث لجاء كتابه ” تخاليط ” يصد عنه الناس.

والقرآن ، الذى نزل مفرقاً فى ثلاث وعشرين سنة ، ليس له مثيل ولاحتى مقارب فى إحكام نسجه ، وتآلف نظمه وصحة معناه وصفاء عباراته ، وسلامة لغته من كل عيب أو قصور.

كتاب قطع عمراً من الدهر يقترب من الألف ونصف الألف من السنين ، ومع هذا فهو كتاب كل عصر سام فوق كل كلام قيل بعده أو قبله أو فى عصر نزوله و معانيه تكشف للناس فى كل عصر سبقاً فى ميادين المعرفة يذهل ويدهش. وكفاه فضلاً سبقه للحضارات الحديثة فى مختلف ميادين المعرفة العلوية والأرضية وما بين السماء والأرض ، وما فى أعماق الأنهار والبحار والمحيطات ، وما فى أعماق الأرض.

وكل هذا وفاء بالوعد الإلهى ، الذى ورد فى القرآن:(سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (2).

إن القرآن الذى تفترون عليه هو كتاب الوجود كله ، كم حاول الحاقدون قبلكم ومعكم أن يحدثوا فيه شرخاً فأعياهم ، وبقى هو كلمة الله العليا السابحة فى الآفاق يتحدى تعاقب الدهور والعصور ، وهو المنارة الشامخة يتلألأ ضوؤها ماحياً حيالك الظلام. (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيماً لينذر بأسا شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً * ماكثين فيها أبداً * وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) (3).