الدعوة إلى التنصير الجماعي !!


 

إن التنصير في يوم من الأيام كان يمكن أن يحقق أهدافه وفق الإمكانات المتاحة التي كان يمتلكها في ذلك الوقت ، و لكن كان لابد للمنصرين من مراجعة حساباتهم بين وقت و آخر فينظروا إلى الوراء و يستفيدوا من خبراتهم و تجاربهم ، ليستمروا ، أو يعدلوا عن طريقتهم إلى طريقة أخرى أنسب و أفضل ، و إن التنصير في تلك الأيام قام بدوره ، و لكن هل من المناسب أن يستمر المنصرون في أساليبهم القديمة نفسها ؟ إن أي عاقل يرفض هذا المبدأ داعياً إلى تحديث الطرق و الوسائل و الأساليب ، مكتشفاً عيوب أساليبه السابقة ، واقفاً على أخطائه التي عرقلت مسيرته أو أخرتها أو أضرت بها .

 

و إن المنصرين في هذا المؤتمر قد وجدوا في أساليبهم القديمة ضعفاً و عجزاً و قصوراً . يقول أرثر ف. كلاسر : (إن التصريحات التي كان يطلقها المنصرون الأوائل مثل زويمر كافية لأن تخلق رد فعل قوياً لدى المسلم حتى يستعصي على التنصير).

 

و هذا ما حدث بالفعل ، فإن لزويمر كلمة مشهورة طالما اعتمد عليها المسلمون في إظهار التنصير على حقيقته ، و ذلك عندما ألقى كلمته المشهورة أثناء انعقاد مؤتمر القدس التبشيري عام 1935م رداً على ما أبداه المبشرون من روح اليأس التي كانت مخيمة على المؤتمرين إذ قال آنذاك :

 

(… إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين ، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة : إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام ، و إما رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قُوْته و قد اشتد به الفقر و عزت عليه لقمة العيش ، و إما آخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية ، و لكن مهمة التبشير التي نَدَبَتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد الإسلامية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية فإن في هذا هدايةً لهم و تكريماً ، و إنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله ، و بالتالي لا صلة له تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها ، و لذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ، و هذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام).

 

ثم يتابع قائلاً : (… إنكم أعددتم نشئاً لا يعرف الصلة بالله و لا يريد أن يعرفها ، و أخرجتم المسلم من الإسلام و لم تدخلوه في المسيحية ، و بالتالي فقد جاء النشئ الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار لا يهتم بالعظائم و يحب الراحة و الكسل ، فإذا تعلم فللشهوات ، و إذا جمع المال فللشهوات ، و إن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شئ ، و قد انتهيتم إلى خير النتائج و باركتكم المسيحية و رضي عنكم الاستعمار ، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الله) .

 

إن هذه العبارة تمثل الأسلوب القديم للتنصير ، و التي كانت كافية لخلق رد فعل قوي لدى المسلم حتى يستعصي على التنصير ، ذلك الأسلوب الذي ثار عليه المؤتمرون داعين إلى أساليب و وسائل جديدة حديثة تتفق و روح العصر ، و إن من أبرز الأساليب الجديدة في حركة التنصير الحديثة هي تلك الأساليب التي ركز عليها مؤتمر كولورادو و المتمثلة في الدعوة إلى التنصير الجماعي ، هذه الدعوة نراها من خلال التحليلات التالية :

 

أولاً : لقد انتبه المؤتمرون إلى ضرورة وجود ظروف خاصة تدعو إلى التحول الجماعي فأوْلَوْها اهتمامهم و عنايتهم مشيرين إلى ضرورة وجود ظروف خاصة تدعو إلى التحول ، و قد عبر عن ذلك صراحةً ديفيد أ. فريزر في بحثه الذي قدمه بعنوان “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” ، ففي الصفحة 242 يقول :

 

(و لكي يكون تحول فلابد من وجود أزمات معينة و مشكلات و عوامل إعداد و تهيئة تدفع الناس أفراداً و جماعاتٍ خارج التوازن الذي اعتادوه ، و قد تأتي هذه الأمور على شكل عوامل طبيعية كالفقر و المرض و الكوارث و الحروب ، و قد تكون معنوية مثل التفرقة العنصرية أو الحساسية بسبب تسامح المجتمع تجاه النفاق ، أو الوضع الاجتماعي المتدني ، و في غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية ، و توضح الدراسة التي قام بها إيفري ديليس عن إندونيسيا أهمية فهم العوامل الخلفية الاجتماعية و الثقافية لتفسير أسباب تحول كثير من مسلمي هذا البلد إلى النصرانية بين عام 1965 ـ 1971م) .

 

و كذلك فإن ديفيد أ. فريزر نفسه في بحثه الآنف الذكر يقول في الصفحة 235 ما يلي :

 

( و لا غرابة في أن تحول مجموعات كبيرة إلى النصرانية تم تحت تأثير ظروف تحولات اجتماعية و ثقافية رئيسية ، حيث كان المتحولون في أكثر الأحوال من تلك الطبقات التي شعرت أنها محرومة بشكل كبير ، و الاستراتيجيات الفعالة التي تسعى لإحداث قرارات هامة يلزمها البحث عن تلك الأجزاء ضمن المجتمعات الإسلامية التي يكون مستوى السخط فيها قد بلغ ذروته ، أي بين الطبقات الاجتماعية و العرقية …إلخ).

 

إن من الأساليب القديمة التي كان يتبعها المنصرون عملية التنصير الفردي ، بمعنى أن يتصل المنصر بالشخص الذي يريد تنصيره و يحاول اجتذابه بكافة الوسائل و السبل من أجل إدخاله في حظيرة النصرانية ، و لكنهم وجدوا بأن هذه الطريقة عقيمة و قليلة الجدوى ، بل و ربما كانت مضرة بالتنصير ، و ذلك لسببين :

 

الأول : لأنها طريقة بطيئة جداً لا تتناسب مع روح التطور العصري السريع ، كما أنها لا تتناسب كذلك مع اتساع رقعة العمل الفسيحة أمامهم .

 

الثاني : لأن هذه الطريقة تؤدي إلى اقتلاع الفرد من بيئته و مجتمعه ، مما يجعله مشلول الإرادة، منبوذاً من قومه ، كما أنه يصبح عبئاً على الكنيسة التي نصرته ، فضلاً عن أنه لن يستطيع التأثير على من حوله ذلك التأثير المطلوب و المرغوب فيه .

 

لذا قإنهم قد أخذوا يدعون إلى ضرورة التنصير الجماعي ، و الذي يعني نقل مجموعات بشرية متكاملة (قبيلة مثلاً أو مدينة) نقلها من الإسلام إلى النصرانية ، مما يقلل من تلك السلبيات ، إذ يصبح الأفراد بمجموعهم نصارى ، و عندها لن يشعر الفرد المتنصر بأنه منبوذ و لا مضطهد و لا مطارد ، لأنهم كلهم قد أصبحوا في بوتقة واحدة ، و قد وردت عدة إشارات داخل محاضر المؤتمر تشير إلى ضرورة هذا الاتجاه ، و هي توضح الطرق و الأساليب التي تحقق هذا التحول الجماعي ، و من ذلك ثمة ملاحظات يقف عندها المرء مستخلصاً لها من بين سطور كلمات ديفيد فريزر الآنفة الذكر ، فهم لا يستطيعون ممارسة التنصير في الجو العادي ، بل لابد لهم من إحداث هزة في حياة الناس ، لابد لهم من إخراج الناس عن حالة توازنهم و استقرارهم بمصيبة ما من المصائب ، كالجوع أو الحروب أو الكوارث … ؛ لذا فهم يَسْعَوْن إلى إحلال هذا الاضطراب حتى تسنح لهم الفرصة لأن يتدخلوا بسهولة و يسر ، عن طريق الإسعاف و الإغاثة و الإعانة … و ما إلى ذلك من الأساليب و الوسائل الجماعية ، و لنا أن نقف عند بعض فقرات هذه الأقوال تحليلاً و توضيحاً :

 

(لابد من وجود أزمات معينة و مشكلات و عوامل إعداد و تهيئة تدفع الناس أفراداً و جماعاتٍ خارج حالة التوازن) ، فقوله (أفراداً و جماعاتٍ) أي زرافات و وحداناً ، أي كلهم يقبلون سواءاً بطريقة فردية أم بطريقة جماعية ، على أن يكون ذلك الإقبال إقبالاً عاماً ، و ليس المقصود مطلقاً “أفراداً” أي بشكل فردي ، فإن التنصير الفردي غير مرغوب فيه ، و هذا ما نلمسه من خلال نصوصهم في هذا المؤتمر .

 

قوله (أزمات و مشكلات و عوامل إعداد و تهيئة) أي صعوبات يقع فيها الناس فيتلفتون حولهم فلا يجدون إلا اليد النصرانية “الحانية” تضمد جراحهم ، و ترد لهفتهم ، و تواسي نكباتهم ، و تهدئ من مشاعرهم المضطربة ، هنا يصبح الإنسان مديناً لهم فيخضع و ينقاد ، و قديماً قالوا : “إن الإنسان عبد الإحسان” ، تأسره الكلمة و الموقف و العون .

 

قوله (و في غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية) ، إذن هم يريدون تحولات كبيرة ، تحولات تشبع نهمهم و تسد جوعتهم ، أما التحولات الفردية الصغيرة فليست في البال و لا في الحسبان ، فيما نجد أن النبي صلى الله عليه و سلم يقول : “لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم” [رواه البخاري] ، رجلاً واحداً فيه الخير الكثير ، و كلٌ على قدر استطاعته دون استهانة بهذا القليل .

 

إنهم يحرصون على كونها تحولات كبيرة ؛ لذا فإنهم يعدون لها عوامل التهيئة المناسبة و الكافية ، و لعل الحرب الأفغانية خير مثال على ذلك ، فإن الشعب الأفغاني كان في حالة توازن نوعاً ما ، مرتاحاً في بلده ، آمناً في دينه ، لكن التدخل الروسي قد أحدث هذه الحالة من فقدان التوازن ، و انطلق الملايين هائمين في الأرض يضربون في التيه ، و بشكل جماعي ، و هنا جاء أصحاب الوكالات العالمية ، و أكثرهم من النصارى ، يقدمون الخدمة الإنسانية بيد ، و يدعون الناس إلى النصرانية باليد الأخرى ، هذه بتلك و إلا فالموت و التشرد و الضياع ، و لا ملجأ إلا الدخول في النصرانية التي تقدم لمن يستجيب كل ألوان المساعدات المادية و النفسية و الروحية .

 

و أما الدراسة التي قام بها إيفري ديليس عن إندونيسيا و التي استشهد بها الكاتب ، فقد فسرت له أسباب تحول “كثير” من مسلمي هذا البلد إلى النصرانية ، و ذلك إبان التمرد الشيوعي في البلاد ، حيث دبت الفوضى و عمت القلاقل و أصبحت البيئة مهيأة للتنصير الجماعي . إنهم يريدون تحول الكثير ، أما الأفراد القلائل فلا ، لقد حدث ذلك بسبب المعاناة الاجتماعية التي مر بها الشعب الإندونيسي في تلك الفترة ، و وجدت النصرانية الميدان فسيحاً لقطف الثمار .

 

إن عليهم إذن أن يستفيدوا من الأزمات الموجودة و عليهم استغلالها أفضل استغلال ، و إن لم تكن موجودة فما عليهم إلا السعي لإيجادها ، إنهم يضعون تحت المجهر بلداً من البلدان ، و يقولون : يلاحظ في هذا البلد ضعف في التقدم التنصيري ، إنه بلد آمن مطمئن مقتنع بما عنده ، و لن يلتفت إليكم .. إذن أوقدوا له فتنة ، حرباً ، جوعاً ، انقلابات .. إلخ ، ثم شمروا عن سواعد الجد لجني الحصاد .

 

ثانياً : جاء في موضوع ديفيد أ. فريزر و عنوانه “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” في الصفحة 243 ما يلي :

 

(… فمن الناحية الإيجابية يطلب من كل فرد أن يكون نصرانياً ، و هذا ما أفرزته الكاثوليكية في أوجها في فترة العصور الوسطى ، و من المعلوم أن هذه النظرة تبرز مشكلة النصارى (الاسميين) أو (العدديين) . أما من الناحية السلبية حيث لا تشجع العقوبات الثقافية و الاجتماعية الدخول في النصرانية فيمكننا أن نضع معظم البيئات الإسلامية ، و من مؤشرات مثل هذه البيئة أن الدعوة إلى المسيح لا تجد استجابة إلا من الأشخاص الهامشيين أو المنحرفين الذين ينتمون إلى القطاعات الفقيرة نسبياً في المجتمع الإسلامي ، و في الأماكن التي يحدث فيها هذا تصبح النصرانية ديناً هداماً و منبوذاً اجتماعياً ، كما تفشل في التغلغل بين أفراد غالبية المجتمع ، و المسلم العادي يجد تأكيداً لاعتقاده أن النصرانية جسم غريب ينبغي مقاومته ، أما المسلم الذي يتحول إلى النصرانية فيشعر بالحرج و بالإهانة ، و يفقد الدعم و الانتماء العائلي و ينبذ اجتماعياً ، إذ يفقد التفاعل الحيوي مع مجتمعه و يصبح عالة على المجتمع النصراني المدعوم من الخارج ، سواءاً أكان ذلك في مجال العمل أم الزواج ، و من ثم يفصل تدريجياً عن المجتمع المسلم) .

 

و يلاحظ على هذا القول المطول ما يلي :

 

1-      انتقادهم أسلوب التجميع الكمي و دعوتهم إلى التجميع النوعي ، فهم لا يريدون أولئك النصارى الاسميين أو العدديين ؛ إذ إنه أسلوب قديم .

2-      معظم البيئات الإسلامية تضع عقبات تمنع المرء من التحول عن الإسلام إلى النصرانية ، و من ذلك عقوبة “المرتد” أو عقوبة النبذ الاجتماعي على أقل تقدير .

3-      الدعوة إلى النصرانية في البيئات الإسلامية لا يستجيب لها إلا المنبوذون اجتماعياً ، مما يجعلها مباءة لأولئك الفاشلين اجتماعياً ، و هذا يحول النصرانية لأن تكون في نظر الناس هدامة .

4-      هذا الوضع الهدام الفاشل يؤكد على ضرورة مقاومة النصرانية .

5-      فشل النصرانية حينئذ في التغلغل الاجتماعي المطلوب .

6-      المسلم المتنصر يُنْبَذ اجتماعياً و يفقد انتماءه الاجتماعي و العائلي و يصبح عالة على المجتمع النصراني .

7-      إن المجتمع النصراني قد دعا هذا المسلم إلى النصرانية ليكون تكئة يتكئون عليه ، فإذا به يتكئ هو على المجتمع الجديد و يزيد في أحماله و أثقاله بدلاً من أن يكون عوناً لهم .

8-      إنهم يرَوْن خطأ هذا الطريق الفردي ، و لابد من انتهاج طريق أفضل ، طريق جماعي يخلصهم من كل تلك السلبيات .

 

ثالثاً : ثم يقول ديفيد أ. فريزر بعد ذلك في الصفحة ذاتها : (أما المؤشر الثاني فهو أن واضعي استراتيجيات التنصير سوف يقومون بالبحث و التركيز على المناطق التي تكون أوضاع المسلمين فيها مشجعة على التحول إلى النصرانية ، و التي يقل فيها الترابط الجماعي و وحدة العقوبات الاجتماعية) ، و يضرب مثلاً على ذلك (المهاجرون الأتراك في ألمانيا الغربية أو المجتمعات التي تمر بمراحل تحول) و في هذا القول ما يلي :

 

1-      البحث عن المجتمعات الإسلامية التي يقل فيها الترابط الجماعي و بالتالي تقل العقوبات الاجتماعية لمن يريد أن يتمرد على قانون الجماعة و يتصرف بحرية فردية ، فالمسلمون الأتراك في ألمانيا الغربية كثير ، و كثير منهم قد انغمس في الحياة الغربية و ملاهيها ، و تحت شعار الحرية الذي يتمتع به الأوروبي فإن الفرد يجد نفسه حراً في الانتقال من الإسلام إلى النصرانية دون أن تتنزل به عقوبات جماعية (و يبقى هذا الأمر صحيحاً و لكن في حدود ضيقة دون إطلاق ذلك ؛ لأن المسلم مهما تفلت فإنه من النادر أن ينخلع نهائياً متخلياً عن مجتمعه الإسلامي) .

2-      يلاحظ أيضاً أن (البحث و التركيز على المناطق التي تكون أوضاع المسلمين فيها مشجعة على التحول إلى النصرانية) إذن فهم يدرسون و يلاحظون ، إنهم يضعون مجاهرهم على جسد الأمة الإسلامية عسى أن يقفوا على زاوية فيها ضعف أو وهن عندها يجدون بغيتهم ، و عندها تحط غربانهم لتنهش من هذا الجزء المتعب المثقل ، و هذا يدعونا لأن نفتح عيوننا و آذاننا و نلاحظ أية ثغرة في العالم الإسلامي فنحاول سد خللها حتى لا تكون باباً يدخل منه هؤلاء الذين يصطادون في المياه الموحلة .

3-      إنهم لا يستطيعون مهاجمة المسلمين في وهج الشمس لأنها تحرقهم ، لأنهم ضعفاء في حقهم ، و لأن الإسلام قوي في حقه ، فهم يذوبون تحت شمسه و تألقه … لذا فإنهم يفتشون عن أولئك الذين ضعف فيهم الوازع الديني و أولئك الذين قلت بينهم وحدة العقوبة الاجتماعية ، و أولئك الذين أهلكهم الفقر و المرض و التشرد ، و أولئك الذين طحنتهم الحروب و الانقلابات ، هنا يكون موضعهم و هنا يكون دورهم ، و لو كنا مسلمين بحق لفتشنا نحن عن ذلك الخلل في بيتنا الإسلامي و حاولنا سد العجز الذي فيه حتى لا ندع لهم إلينا سبيلاً .

4-      إن إنشاء مدارس إسلامية بين الأتراك المهاجرين إلى ألمانيا الغربية مثلاً ، و دعم المؤسسات الإسلامية ، و استقبال الطلاب الوافدين للتعلم في البلاد الإسلامية ، كل ذلك يرفع من معنويات هؤلاء المهاجرين و يشعرهم بأن لهم سنداً إسلامياً يواسيهم و يشد من أزرهم .

 

رابعاً : و قد جاء في التعليق على محاضرة ديفيد أ. فريزر الآنفة الذكر في الصفحة 256 ما يلي : (عبر بعض القراء عن قلقهم حيال الأدلة التي تشير إلى أن الأفراد الهامشيين في المجتمع هم الذين يكون لديهم استعداد للإيمان بالنصرانية ، و أن الناس الهامشيين و هم في الغالب المنحرفون سلوكياً لا يمكن أن يكونوا قادة قادرين على التأثير على مجموعة لتبدأ التفكير بالمسيح ، و في نفس الوقت اتفق الجميع هلى أن سياسة التنصير القائمة على أسلوب اقتلاع الأفراد من هنا و هناك قد برهنت على عدم جدواها ، و يجب العمل على اقتلاع مجموعة كاملة في وقت واحد) . و يلاحظ على هذا القول ما يلي :

 

1-      قوله (إن الناس الهامشيين في المجتمع هم الذين يكون لديهم استعداد للإيمان بالنصرانية) ، و ذلك يعني أن هؤلاء الهامشيين هم في حالة عدم توازن لعدم اهتمام المجتمع بهم و تخليه عنهم ، فهم بالتالي يبحثون عن أسلوب يثبتون من خلاله ذواتهم مبرهنين فيه عن أهمية وجودهم .

2-      لكن هؤلاء الناس غير مرغوب فيهم لأمور هي :

أ‌.        لأنهم في الغالب منحرفون سلوكياً لعدم وقوعهم تحت سلطة الجماعة صاحبة الأمر و النهي و صاحبة السيادة و المراقبة و المحاسبة .

ب‌.    لأنهم لن يكونوا قادرين على أن يكونوا قياديين مؤثرين على من حولهم ، فهم في الأصل هامشيون و لا يأبه لهم أحد .

3-      إنهم لا يريدون إلا الأفراد القادرين الذين يقدرون على التأثير على (مجموعة) ، أي على أعداد تتزايد تزايداً هندسياً ، صحيح أن هذا الفرد قد يؤثر في فرد آخر أو أفراد قلائل آخرين ، لكن ذلك ليس هو المطلوب ، إنهم يريدون مجموعات مجموعات ليكون متناسباً مع حجم الرغبة التنصيرية الجامحة .

4-      (اتفق الجميع على أن سياسة التنصير القائمة على أسلوب اقتلاع الأفراد من هنا و هناك قد برهنت على عدم جدواها ، و يجب العمل على اقتلاع مجموعة كاملة في وقت واحد) .. نعم ، إنها حسبة تجارية ، إنها عدم الجدوى ، إنهم يطمحون إلى تنصير ملايين المسلمين فكيف يصلون إلى ذلك إذا كان التنصير سيقوم على تنصيرهم واحداً واحداً ؟! إن ذلك غير مجدٍ ، و الجدوى تكمن في استقطاب الأشخاص القياديين ، و كذلك تكمن في استقطاب المسلمين مجموعات مجموعات .

 

خامساً : و جاء كذلك في محاضرة دون م. ماكري ، و التي موضوعها “تحليل المقاومة و الاستجابة لدى الشعوب الإسلامية” في الصفحة 267 ما يلي : (… و في إندونيسيا حيث انتشر الكتاب المقدس فعلاً من خلال هذه الوحدات الثقافية نجد أن مجتمعات بأكملها قد تنصرت في وقت واحد، و يقال إنه في أحد الأماكن تم تحويل 25 مسجداً إلى كنائس). هذا القول مجرد قول يحتمل الصحة و يحتمل غير ذلك ، كما يحتمل التهويل و التضخيم ، و لكنه على كل حال محتمل الوقوع ، فنحن لا ننكر إمكان حدوثه ، لكن ذلك ـ إن صح ـ يجب أن يخلق فينا روح اليقظة و يدعونا إلى الاستفاقة ؛ إذ كيف يتم ذلك و نحن عن أفاعيلهم لاهون ؟ و هل هناك أصعب أو أشد من ردة هؤلاء ؟ إنهم آثمون بلا شك ، و لكننا نحن ـ المسلمين ـ نتحمل قسطاً وافراً من هذا الإثم ؛ لأننا لم نقف سداً منيعاً أمام هذا الغزو الديني و الفكري و الثقافي ، و لم نلتفت إلى أخوة الدين للمحافظة عليها من عبث المنصرين و غيرهم .

 

سادساً : جاء في ص 267 جواباً عن سؤال يطرحه دون م. ماكري في موضوعه “تحليل المقاومة و الاستجابة لدى الشعوب الإسلامية” ، و السؤال هو : أي المسلمين نتعامل معهم ؟ يجيب هو نفسه قائلاُ : (هي تلك المجموعات المتجانسة ثقافياً من المسلمين و التي تظهر استعداداً لتقبل الدعوة ، و هذا يعني أن علينا أن نبدأ بتدقيق النظر داخل الإطار الإسلامي العام بحثاً عن الوحدات الفرعية في البلد الواحد ، و أن نسعى لتفادي أخطار العمل على اقتلاع الأفراد من مجتمعاتهم ، فالمؤكد أن الناس يكونون أكثر استعداداً لتقبل الكتاب المقدس عندما يقدم إليهم بطريقة مناسبة لا تتعارض مع ثقافتهم ، و عندما يكون بإمكانهم التفاعل معه داخل مجتمعهم) . و يلاحظ على هذا التعقيب ما يلي :

 

1-      (التفتيش عن المجموعات المتجانسة ثقافياً) : و هذا يؤكد الاتجاه نحو المجموعات .

2-      (البحث عن الوحدات الفرعية في البلد الواحد) : يريدون وحدات وحدات لا أفراداً أو أشخاصاً ، و هم يريدونها وحدات و لكنها فرعية حتى يسهل استقطابها ؛ إذ إن هذه الوحدة الفرعية تكون ضعيفة ، و بالتالي تكون في حالة عدم توازن ، فهي بذلك تحتاج إلى تأكيد ذاتها و إثبات وجودها مما يدعوها للموافقة على الإغراء النصراني بالتنصير و الدعم و التأييد .

3-      (تفادي أخطار العمل على اقتلاع الأفراد من مجتمعاتهم) تأكيداً لما سبق ، و لأن الفرد حينئذ لن يكون مؤثراً على مجتمعه ، بل سيكون عالة على الكنيسة التي نصرته .

4-      (و عندما يكون بإمكانهم التفاعل معه داخل مجتمعهم) فهم يريدون تنصيرهم لا استنقاذاً لهم و لكن ليكونوا أداة في جذب مجتمعهم إلى حظيرة النصرانية جذباً جماعياً . إن مدلول كلمة التفاعل معه ـ أي مع الكتاب المقدس ـ (داخل مجتمعهم) تعني كل ذلك ، و تعني بأن يكون أداة إفساد جماعي نشط .

5-      وردت فيه عبارة (علينا أن نبدأ بتدقيق النظر داخل الإطار الإسلامي العام بحثاً عن الوحدات الفرعية في البلد الواحد) إنهم يدققون النظر ، إنهم يدرسون ، يدرسون كل صغيرة و كل كبيرة في مجتمعاتنا الإسلامية ، و يسلطون الأضواء عليها ، و يعرفون مواضع الاتفاق و مكامن الاختلاف بغية الاستفادة من كل ذلك عندما يبحثون عن (الوحدات الفرعية في البلد الواحد) ، إنهم لا ينطلقون من فراغ ، إنهم ينطلقون من دراسة و تمحيص و تدقيق و معلومات مسبقة ، هؤلاء أتباع الشيخ الفلاني ، هؤلاء سياسيون ، هؤلاء متطرفون ، هؤلاء متزمتون ، هؤلاء أقلية ، و هكذا دون أن تفوتهم أية ملاحظة دقيقة في هذا السبيل .

 

سابعاً : جاء في محاضرة بعنوان “منطلقات لاهوتية جديدة في عملية التنصير” التي قدمها بروس ج. نيكولس في الصفحة 215 ما يلي : (قد لا يكون المسلم المعاصر مبالياً بعقيدته الدينية ، و لكنه يريد أن يظل مسلماً لأسباب حضارية و ثقافية . إن تغيير ديانته قد يعني عزل نفسه عن أسرته و عن المجتمع الإسلامي ككل ، و عليه فإن الرد النصراني على الدعوة يجب أن يكون ثقافياً بالإضافة إلى كونه دينياً إذا ما أردنا أن يكون النصراني فعالاً و أن نقيم كنائس جديدة) . و يشتمل هذا القول على أمور منها ما يلي :

 

1-      (المسلم لن يترك دينه لأسباب حضارية و ثقافية) إذن يجب أن يوجدوا له البديل الحضاري و الثقافي حتى يستطيع التخلي عن دينه القديم و الالتحاق بدين جديد ، و هذا البديل الثقافي لن يكون بأن يلتحق بالآخرين فرداً ، إذ يشعر بالغربة بينهم ، بل يجب أن يكون الانتقال جماعياً حتى ينتقل معهم انتقالاً ثقافياً جماعياً لا غربة فيه .

2-      (إن تغيير ديانته قد يعني عزل نفسه عن أسرته و عن المجتمع الإسلامي ككل) ، إنهم لا يريدون هذا العزل ، و عليه فلم يبقَ أمامهم إلا النقلة الجماعية المنشودة ، أي انتقال الفرد ضمن وحدته التي ينتمي إليها ، بل انتقال الوحدة بكاملها إلى النصرانية ، و هنا سيكون العامل الثقافي و الإرث الحضاري الذي يحمله سيكون مصحوباً معه دون شعور بالغربة و الوحدة و الوحشة .

3-      و قوله (و أن نقيم كنائس جديدة) يعني أن يقيموا كنائس تتناسب مع كل قوم بحسب ثقافتهم و إرثهم الحضاري الذي يحملونه ، دون قسرهم على الدخول في النصرانية من خلال الكنائس الغربية التي قدم منها هؤلاء المنصرون ، و هذا الموضوع سيزداد إثارة عندما نتحدث عن تزلفهم لكسب المسلمين و وسائلهم الجديدة في التنصير .

 

الخدمات و التنصير

 

إن هذا البحث في مجمله ليس جديداً على موضوعات التنصير ، ذلك لأن التنصير منذ بزغ ظهوره في العالم الإسلامي قد اتخذ من الخدمات الإنسانية باباً يلج منه إلى الناس ، فالطبيب يعالج المريض أولاً و يبذل جهد طاقته في إسعافه و تقديم العون له ، حتى إذا ما ملك قلب هذا الإنسان و سيطر على مشاعره بدأ يبشره بنصرانيته شيئاً فشيئاً ، و قد يبلغ به الحد بعد ذلك أن يجعل قبول هذا المريض النصرانية ثمناً لدوام علاجه و استكمال شفائه ، و هذا ينطبق على الخدمات الأخرى كإطعام الجياع أو تأمين عمل للمحتاجين أو منح فرص للتعليم في جامعات غربية و عالمية … إلخ .

 

و لكن ثمة أمور جديدة في هذا الباب نقف عليها من خلال هذا المؤتمر الذي نبش الأرض و حرثها ، فإن هذا المؤتمر قد قلب وجهات النظر في كل الأساليب القديمة و أعاد النظر فيها ، فقبل منها ما قبل ، و استنكر منها ما استنكر ، و عدل منها ما عدل حتى يستوي التنصير في هذا القرن على سوقه و يؤتي أكله كأحسن ما يكون .

 

أولاً : في محاضرة بعنوان “مقارنة بين وضع النصرانية و الإسلام في جنوب شرق آسيا” لكل من فرانك ل. كولي و بيتر ج. كونك و ألكس ج. سميث و ورن مايرز ، فقد ورد في الصفحة 492 في الحديث عن تايلاند ما يلي : (خلال السنوات الخمس الأخيرة تم تعميد 28 مسلماً تايلاندياً ، و من هؤلاء رجع اثنان إلى الإسلام ، و ابتعد ستة عن الطريق الصحيح و عن الكنيسة ، و بقي عشرون آخرون في عضوية الكنيسة ، مع وجود عشرين آخرين من الموالين المهتمين ، و الذين يجتمعون معاً في مجموعات ثلاث كنسية للمؤمنين الملاويين ، و من الملاحظ أن المسلمين الذين أبدوا استجابة أكثر كانوا من الذين تم الاتصال بهم من خلال العيادات الطبية لمعالجة الجذام) .

 

و يلاحظ على هذا القول جملة من الأمور منها :

 

1-      خلال خمس سنوات تم تعميد 28 مسلماً تايلاندياً ، و قد رجع من هؤلاء اثنان .

2-      و هناك عشرون آخرون من الموالين المهتمين .

3-      هؤلاء يجتمعون معاً في مجموعات ثلاث كنسية .

فأولاً : إنه لأمر يبعث على الأسى أن يرتد هؤلاء المسلمون عن دينهم ، و إننا ـ نحن المسلمين ـ نتحمل العبء الأكبر من الشعور بالتقصير تجاههم ، فلو كان العمل الإسلامي نشيطاً لما تنصر هؤلاء ، و إننا نأسى حتى لو كان المتنصر من المسلمين فرداً واحداً فقط ، فما بالك بهذا العدد الكبير نسبياً ؟

 

و ثانياً : إن الموقف يبعث على الرثاء لحال هؤلاء المنصرين الذين على الرغم من إمكاناتهم و جهودهم الهائلة و تسخير القوى العالمية ، و على الرغم من الحاجة الشديدة التي يعاني منها المسلمون في جنوب شرقي آسيا نتيجة للفقر و الجهل و المرض ، فعلى الرغم من ذلك لم يستطيعوا ـ و من خلال ثلاث مجموعات كنسية ـ أن ينصروا سوى هذا العدد ، و إن دل هذا على شئ فإنما يدل على مدى تغلغل الإسلام و الإيمان في نفوس هذه الشعوب التي لن تفلح قوة في الأرض أن تقتلعهم من دينهم مهما حاولت و مهما بذلت ؛ ذلك لأن الإيمان حق ، و الحق قوي ، و إن مقاومة الحق و القوة لهي أمور صعبة و مضنية و غير مجدية . إن مسلماً واحداً ـ بما يملكه من حق و يقين ـ يدخل إلى هذه المناطق و بدون تلك الإمكانات المتاحة ، يستطيع أن يجذب إلى حظيرة الإسلام ـ بإذن الله ـ آلافاً مؤلفة ، و إن التاريخ لشاهد عدل و صدق على ذلك .

 

و ثالثاً : فإن المحاضر مقر بأن الذين أبدوا استجابتهم أكثر كانوا من الذين تم الاتصال بهم من خلال العيادات الطبية لمعالجة الجذام !!

  • إنه إقرار باستخدامهم الوسائل الإنسانية للوصول إلى التنصير .
  • إنهم ينصرون الناس الذين هم في حاجة ماسة إليهم ، و هل هناك أصعب من أن يكون الإنسان مصاباً بالجذام ثم يأتيه منصر يعرض عليه العلاج مقابل أن يكون نصرانياً ، إنه سيقبل بلا شك ، و بخاصة إذا أصبح الدخول في النصرانية شرطاً لاستمرار ذلك العلاج و دوامه . إنه سيكون وفياً لليد الحانية التي امتدت إليه في الوقت الذي لا يجد يداً حانية مسلمة تعينه و تشفي جذامه .

 

ثانياً : إن آرثر ف. كلاس يذكر في محاضرته “تقرير المؤتمر” في الصفحة 52 ما يلي : ( نحن نواجه تحدياً عندما نقف على أبواب العالم الإسلامي ، و لكننا كمنصرين نرفض أن نحصر دعوتنا في تطوير و تحسين العلاقات النصرانية الإسلامية ، أو أن ننشغل بخدمات اجتماعية نقوم بها نيابةً عنهم) . و هذا القول يحمل عدة أمور ، منها :

 

1-      الشعور بالعجز و التحدي عندما يواجهون العالم الإسلامي ، إنهم يسقطون عاجزين ، فالشعوب الإسلامية ترفض تنصيرهم و لا تستسلم له على النحو الذي تستسلم لهم فيه الشعوب الأخرى من غير المسلمين ، و السبب في ذلك واضح ، و هو أن الحق الذي يملكه المسلم في يقينه و معتقده أسمى بكثير من المبهمات و التعقيدات التي يأتيه بها المنصرون من التثليث و الإشراك و الخطيئة و الخلاص و الفداء و القيامة ، فأين هذه المعتقدات المشوشة من المعتقد الإسلامي الواضح البين الذي لا لبس فيه و لا غموض ، إله واحد في السماء و الجميع عباد له ، و الأنبياء كلهم بشر ، و لا تزر وازرة وزر أخرى … .

2-      إنهم قد استكثروا هذه الخدمات نيابةً عن المسلمين ، و هذا يؤكد المقولة التي ذكرناها في مبحث “التنصير و الاستعمار” . إن عليهم أن يقوموا بخدمات إنسانية دون أن تكون هذه الخدمات وسيلة للتنصير ، عليهم أن يقوموا بهذه الخدمات فقط لمجرد كونها وسيلة لتحسين صورة النصارى و صورة الغربيين في أذهان الناس ، إن عليهم أن يتخلوا عن هذه المعادلات و المراهنات المحرجة : التنصير أو الفقر ، التنصير أو الجهل ، التنصير أو الجوع ، التنصير أو المرض ، التنصير أو الحروب ، التنصير أو الاستعمار .

 

و إن آرثر ف. كلاس قد شعر بأنهم يقومون بخدمات و لا يقبضون مقابل هذه الخدمات أشخاصاً متنصرين ، إذن عليهم ألا يقوموا بالخدمات نيابةً عن المسلمين ، و هذا هو مقتل التنصير .. مقتله عندما يجعل الخدمات وسيلة لغاية ، فيما يحتم عليه العقل و المنطق أن تكون الخدمات غاية في حد ذاتها ، أو على الأقل كفارة عن الجرائم السابقة و الآتية ، و تحسيناً للصورة القبيحة الكالحة .

 

ثالثاً : بحث “منطلقات لاهوتية جديدة في عملية تنصير المسلمين” الذي قدمه بروس ج. نيكولس في الصفحة 223 يقول : (إنه ليس مفاجأة أن يعلن بيان المؤتمر الذي تم الاتفاق عليه ما يلي : إن المؤتمر و هو يدرك بصورة مؤلمة أن مشاعر المسلمين تجاه الإرساليات التبشيرية قد تأثرت و بصورة معادية بسوء استخدام التفويض الإلهي (التنصير) فهو يدعو و بكل قوة الكنائس النصرانية و المؤسسات الدينية لأن توقف إساءة استخدام هذا التفويض في العالم الإسلامي) .

 

و قد نقل المحاضر بروس ج. نيكولس في الصفحة 223 قول خورشيد أحمد في ذلك المؤتمر حيث قال فيه : (إذا كانت هناك لحظة واحدة من التعصب الإسلامي تجاه النصارى فإنها تدعوني للخجل ، إنني على استعداد دائم للاعتراف بذلك و لعمل كل ما أستطيعه لتصحيح ذلك الوضع ، و لكن من أجل الرب لا تقارنوا مثل هذه الحوادث المنفردة التي تعبر عن الضعف الإنساني بالاستغلال الواسع للمسلمين من قبل العالم النصراني عن طريق التعليم و الطب و المساعدات … إلخ ، و التي استخدمت جميعاً كوسائل مدروسة و مقصودة في السياسة النصرانية) :

 

1-      لقد أقر مؤتمر كامبس سوء استخدام التنصير في الإساءة للعالم الإسلامي ، و قد أعطى ذلك رد فعل عكسياً منفراً ، و إن بروس ج. نيكولس لكونه واحداً من المنصرين و من المشاركين في هذا المؤتمر قد أحس بهذا الأثر السلبي و أقر به .

2-      إن الرد الذي قدمه خورشيد أحمد فيه تشريح و فضح لهذه الوسائل الإنسانية التي يستخدمونها في استغلال المسلمين و تنصيرهم ، إن من أسوأ الأمور و من أقل المروءات أن يستغل إنسان حاجة إنسان آخر لاستمالته و استعباده من خلال تلك الحاجة الإنسانية .

3-      قد يقول قائل : و لكن جميع المذاهب و الأديان تقدم خدمات إنسانية لتجني من ورائها أتباعاً و أنصاراً ، فنقول : إن هذا صحيح من حيث المبدأ ، و لكن الذي يفعله الإنسان الشريف صاحب المبدأ الأصيل أنه يقدم الخدمة أولاً على أنها عمل إنساني ، ثم يدع ذلك الإنسان الذي قدم إليه تلك الخدمة و ذلك العمل النبيل لأن يتساءل من تلقاء نفسه عن ماهية هذا الإنسان صاحب الفضل و الشهامة ، فيعرف دوافعه إلى هذا العمل النبيل ، و بالتالي سيكون معجباً بسلوكه و تصرفاته ، و من ثم يتقدم هو إليه بنفسه طالباً منه أن يعلمه هذا الدين الذي يحمله في صدره و الذي يدعو إلى هذا العمل المتسم بالنجدة و المروءة . لكن الذي يفعله المنصرون هو أنهم يقدمون الخدمة الإنسانية في ذات الوقت الذي يشعرون فيه المحتاج إلى هذه الخدمة بأن عليه أن يصبح نصرانياً حتى تستمر تلك الخدمات ، و إلا تركوه في منتصف الطريق و تخلوا عنه ، و إن لم يتركوه فإنهم سيشعرونه بالمنة ، و المنة تقتل العمل النبيل و تمحقه .

 

أساليب جديدة في التنصير

 

قلنا في المقدمة إن من أهداف هذا المؤتمر ابتكار أساليب جديدة في التنصير تفتح الطريق أمامهم واسعاً ، أساليب تتناسب مع معطيات العصر الحديث و تطوراته ، إنهم ينتقدون أساليبهم القديمة و يستنكرونها ، ثم هم ينظرون إلى الخدمات على أنها وسائل عقيمة قليلة الجدوى ، و إن انتقاد تلك الأساليب يحتم عليهم إيجاد بدائل حديثة متطورة . و في هذا الفصل نعرض أساليب جديدة طرحها المؤتمرون ، لقد صار التنصير في نظرهم علماً يحتاج إلى شروط علمية أولية ، و إذا طبقت تلك الشروط بدقة فإنها ستعطي ثمارها في حتمية منطقية ، هذا ما يعتقدونه و هذا ما يطبقونه في تنصيرهم الحديث المعاصر .

 

أولاً : أسلوب الفلاح :

 

دون ج. ماكري في موضوعه “تحليل المقاومة و الاستجابة لدى الشعوب المسلمة” يقول في الصفحة 266 نقلاً عن ماكافرين ما يلي : (إن الاستراتيجية الصحيحة سوف تقسم العالم إلى وحدات ثقافية حيث تقوم الإرساليات النصرانية بدورها في زرع البذور بصورة صحيحة و أخرى حيث تقوم الإرساليات بالحصاد بصورة صحيحة . إن الاستراتيجية الخطأ تفشل في ملاحظة الفرق بين الفئات المتقبلة و الفئات المقاومة في المجتمع) .

 

1-      إن هذا النص يوجه النظر إلى التنصير على أنه عملية زرع و استنبات بذور و حصاد .

2-      إنه يوجه الأنظار إلى التنصير الجماعي دون التنصير الفردي ، إنه يطلب ملاحظة (الفئات) المتقبلة و (الفئات) المقاومة ، و قد سبق أن تناولنا هذا الموضوع في مبحث التنصير الفردي و التنصير الجماعي .

3-      إن الفئات أو المجتمعات تشبه إلى حد كبير التربة الزراعية الصالحة لاستنبات زرع فيها ، و الأخرى الصخرية أو القيعان ، تلك التي لا تصلح للاستنبات و لا للزرع .

4-      و هنا تنبغي الإشارة إلى أن هذه الملاحظة على جدتها و طرافتها فإن الرسول صلى الله عليه و سلم معلم الدعاة قد لاحظها من قرون مديدة حيث قال : “مَثَل ما بعثني الله به من الهدى و العلم كمَثَل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير ، و كان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا و سقوا و زرعوا ، و أصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءاً و لا تنبت كلأً ، فذلك مثل من فقه في دين الله و نفعه الله به ، فعَلِم و عَلَّم ، و مثل من لم يرفع بذلك رأساً و لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” [متفق عليه] .

 

إن غيث الإسلام قد هطل على جميع الأراضي ، و قطعة الأرض بحسب نوعيتها تستجيب أو لا تستجيب ، أو تكون مجرد أداة لنقل هذا الخير ، و لكن الخير السماوي الهاطل أصابها و ترك لها الحرية بحسب طبيعتها . الإسلام يقدم للبشر بكافة ، و هم بالتالي يعكسون رد الفعل بحسب خلفيتهم و طبيعتهم ، على المسلم أن يدعو و يعمل دون انتظار النتائج فإن النتائج بيد الله ، و الأجر و الثواب حاصل حاصل على كل حال .

 

أما المنصرون هؤلاء فإنهم يدعون إلى التأمل في التربة ، فإن لم تكن صالحة حبسوا عنها دعوتهم ، و إن كان من المؤمل حصول الخير الذي هو التنصير في نظرهم باشروا في حرثها و بذر البذور و استنبات الزرع و جني الثمار و الحصاد .

 

و شتان شتان ما بين هذين المفهومين ، المفهوم الدعوي الإسلامي ، و المفهوم التجاري النصراني ، و نشر الأديان لم يكن في يوم من الأيام يحسب بطريقة مادية تجارية بحتة .

 

و لكن هذه المقارنة بين نشر الإسلام و نشر النصرانية لا تعني مطلقاً رفضنا لأسلوب دراسة التربة و التوجه أولاً بادئ ذي بدء إلى الأرض المتقبلة ؛ إذ إن في ذلك توفيراً للجهد و الوقت و حسن استغلال للإمكانات المتاحة ، و الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها فهو أحق الناس بها .

 

ثانياً : اختبار التربة :

 

متابعةً للنقطة الآنفة الذكر ، فإن دون ج. ماكري في موضوعه “تحليل المقاومة و الاستجابة لدى الشعوب المسلمة” يقول في ص 273 ناقلاً عن بيتر واكنر : (إن المبدأ الواضح لاستراتيجية تنصيرية هو أنه و قبل بذر بذور الكتاب المقدس سوف يكون مفيداً إن اختبرنا التربة أولاً ، و أود هنا أن أعدل هذا المبدأ ليصبح كالآتي : بعد اختبار التربة بواسطة زرع البذور يجب التحرك بقوة نحو التربة الجيدة و المناطق المستعدة . ثم يقول : إن البحوث الهادفة التي تسبق مجهودات التنصير تستغرق وقتاً طويلاً ، و لكن فوائدها ستكون عظيمة على المدى البعيد) .

 

ثم يتابع في الصفحة 275 قائلاً : (لاختبار التربة و ذلك من خلال نشر كلمة الرب بواسطة المطبوعات أو الإذاعة أو الوعظ المباشر أو تدريس الإنجيل بالمراسلة أو أية وسيلة أخرى يضعها الرب بين يديك) .

 

و اسنباطاً مما سبق نقول :

 

1-      الاختبار يكون ببذر بذور هنا و هناك أولاً ، ثم التوجه نحو التربة الجيدة و المناطق المستعدة فوراً ، و هذا الاختبار قد يأخذ وقتاً طويلاً يحتاج إلى صبر .

2-      وسائل الاختبار في نظرهم تتمثل في المطبوعات ـ الوعظ المباشر ـ تدريس الكتاب المقدس بالمراسلة ـ الإذاعة ـ أو أية وسيلة أخرى .

3-      لا شك بأن على المسلمين إذا ما أرادوا نشر دينهم أن يستفيدوا من هذه الحلول و الطرائق متوكلين في ذلك كله على الله الذي {يَهْدِي مَن يَشاءُ} [البقرة : 142] و {يُدْخِلُ مَن يَشاءُ فِيْ رَحْمَتِهِ} [الشورى : 8] .

 

ثالثاً : التأثير النفسي :

 

التأثير النفسي وسيلة جديدة أيضاً من وسائل التنصير ، فإن ديفيد أ. فريزر في بحثه “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” في الصفحة 246 يقول : (و تجدر الإشارة هنا إلى أن المنصرين الباكستانيين الذين يتبعون الأساليب الفعالة و يتمتعون بالقدرة المؤثرة ، فخلال عملهم في القرى الريفية على علاج الناس و طرد الأرواح الشريرة أحاط بهم المسلمون من ذوي الحاجة من كل حدب و صوب) .

 

و كذلك بل مسك الذي قدم محاضرة عن “إسلام العامة أو الإسلام الشعبي” ، فبعد إلقاء المحاضرة علق المعلق عليها بقوله : (و قد أحس بعض القراء بأن هذا البحث يوضح أن أساليبنا في الوصول خاصة إلى إسلام العامة كانت و لا تزال عقلانية أكثر مما يجب ، فنحن نعتمد كثيراً على كل المطبوعات و على شرحنا للرسالة شرحاً عقلانياً . إننا نحتاج للتفكير فيما إذا كانت الحاجة تدعو لانتهاج طريقة أكثر جاذبية تعتمد إلى حد كبير على تأثير الروح في الشخص ، و الصلاة للشفاء من الأمراض و للخلاص من الشيطان ، و غيرها من الاحتياجات المحددة) .

 

1-      إن هذين القولين الآنفي الذكر يوضحان ضرورة انتهاج سبل روحانية أو سبل نفسية ، و ذلك بأن يؤكدوا للناس بأن في مكنتهم طرد الأرواح الشريرة و الخلاص من الشيطان ، و ما إلى ذلك من وسائل تأثيرية نفسية بعيدة كل البعد عن المفاهيم العقلانية و الإقناعية المنطقية .

لقد أدركوا بأن ثمة إسلاماً شعبياً بين الناس ، و هؤلاء العوام من المسلمين الذين يرتبطون بالإسلام ارتباطاً إرثياً عاطفياً دون أن تكون لديهم الثقافة الكافية لمعرفة أحكام الدين و أهدافه و مبادئه ، و عليه فإن علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نسعى إلى سد هذه الثغرة و ذلك ببث الثقافة و الوعي بين المسلمين جميعاً ، سواءاً عن طريق المراكز التعليمية الجيدة أم عن طريق المشايخ و الوعاظ النابهين ، و هؤلاء لا تكاد تخلو منهم بلدة أو قرية ، حتى لا يقع هؤلاء فريسة لا للتنصير و لا لأي مذهب من المذاهب الهدامة الأخرى ، و حتى و لا فريسة لمغريات الشيطان من الزنا و الخمور و المخدرات . و جدير بالذكر أن هؤلاء العوام يشكلون النسبة العظمى من تعداد المسلمين في العالم الإسلامي بسبب التخلف و انتشار الأمية بينهم ، فهم بكل تأكيد يمثلون أكثر من 80% من مجموع المسلمين ، فكيف بنا نهمل هذا العدد الهائل من رصيدنا الدعوي ؟!

صحيح أن الحركات الإسلامية قد توجهت إلى المثقفين و استقطبتهم ، و هؤلاء المثقفون بشكل أو بآخر تراهم يدورون في فلك الحركات الإسلامية ، سواءاً في الجامعات أو في المدارس و المعاهد أو بين كثير من الموظفين و الخريجين ، و لكن هؤلاء أيضاً مهما كبر عددهم فإنهم لا يشكلون إلا أقلية قد تعجز في كثير من الأحيان عن التأثير على عامة الناس و سوادهم الأعظم .

و الملاحظ كذلك أن هؤلاء العوام ينجذبون بشكل فعال و قوي إلى التأثيرات الروحية ذات العلاقة القائمة على مخاطبة المشاعر و القلوب دون الأفهام و العقول ، فإن شيخاً واحداً على دراية لا بأس بها بالشريعة قد يستطيع جذب الآلاف من الذين يعجز عن جذبهم كبير العلماء الدينيين ، إذ إن هذا الشيخ يسيطر على قلوبهم ، و يحاول تحريكها نحو الخير ، و هذا هو الذي يفسر لنا سبب انتشار الإسلام في كثير من الشعوب عن طريق مشايخ الصوفية الذين يعتمدون اعتماداً كبيراً على الجذب الروحي .

من نافلة القول هنا ضرورة دعم المشايخ الذين يملكون حداً أدنى مقبولاً من المفاهيم الصحيحة عن الإسلام و مقاصده ، أما أولئك الذين لا يملكون حتى و لا هذا الحد فإنهم لا يستأهلون أي دعم يذكر في هذا الصدد ، لأن خطرهم سيكون أعظم من أي نفع متوقع منهم ، بما يزرعونه من مفاهيم خطأ يتحمل الإسلام ذاته نتيجتها فيما بعد ، حيث لا تقترن أعمالهم و أفكارهم و آراؤهم بالإسلام ، و الإسلام برئ كل البراءة من كثير من ضلالاتهم و انحرافاتهم . و هنا تطرأ ملاحظة هامة ، و هي ضرورة بذل المساعدات الإنتاجية لهؤلاء العوام في معظمهم من الفقراء المعوزين ، و إن مجرد التأثير الروحي عليهم لا يكفيهم ، و إن إقامة أي مشروع قد يؤثر في نفوسهم تأثيراً يفوق مائة خطبة وعظية ، و من تلك المساعدات الإنتاجية حفر بئر يستقون منها الماء ، أو رصف شارع ، أو إنارة قرية ، أو تقديم آلة زراعية … و ما إلى ذلك .

2-      إن دل هذان القولان على شئ فإنما يدلان على إفلاس النصرانية العاجزة عن المواجهة العقلانية المنطقية ؛ لذا فإنها تعمد إلى أساليب أشبه ما تكون بالشعوذة و الدجل كطرد الشياطين و طرد الأرواح الشريرة . صحيح أن الناس بسبب حاجتهم الأولية إلى ذلك يقبلون على المنصرين بادئ الأمر ، و لكنهم بعد أن يعوا أن ذلك شعوذة و دجل ينقلبون عليهم و يتخلون عنهم ، مما يعطي التنصير نتيجة عكسية .

3-      إن الإسلام يبقى الأقوى ؛ لأنه في دعوته لا يلجأ إلى أمثال هذه الأساليب ، بل يعمل على غرس القيم و المبادئ أولاً بأول ، و لو أراد المسلمون أن يسلكوا هذه السبل لاستقطاب الناس لكان ذلك أسهل شئ عليهم ، و لكنهم يأبَوْن لأن الإسلام دين العقل و المنطق ، و لأنهم يريدون غراساً سليمة ، و لأنهم يخططون للمستقبل البعيد و النظرة البعيدة ، إن عملهم الدعوي الإسلامي إنما هو تجميع نوعي قبل أن يكون تجميعاً كمياً .

 

رابعاً : إيقاظ اللغات المحلية :

 

وليام د. رايبرن في موضوعه “الوضع الراهن لترجمات الإنجيل إلى لغات المسلمين” يقول في الصفحة 546 ما يلي : (و نظراً لتعدد اللهجات في اللغة العربية فإنه يجري العمل على ترجمة الأناجيل الأربعة إلى اللهجة العربية اللبنانية ، و قد نشرت الكتب المقدسة أيضاً باللهجات العربية الجزائرية و التشادية و المصرية و الفلسطينية ، إلا أن تلك الترجمات لم تجد قبولاً يذكر ، و على الرغم من أن هناك دائماً اهتماماً ثقافياً أو قومياً باللهجات المحلية إلا أن سيطرة اللغة الفصحى لم تتأثر بأية محاولة في هذا الصدد) .

 

و السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هنا هو : لماذا هذا الإصرار على طباعة الإنجيل باللهجات المحلية ؟ إنهم يؤكدون سيطرة اللغة الفصحى ، و إذا كان هدفهم هو الوصول إلى المسلمين فبإمكانهم أن يوفروا جهودهم و يطبعوا طبعة واحدة باللغة العربية ؛ لأن العرب جميعاً يفهمون اللغة الفصحى و يتعاملون معها بكل بساطة و سهولة و يسر ، و بالتالي فهم سيتعاملون مع الإنجيل المكتوب بالفصحى بنفس المستوى من الفهم و التدبر .

 

لكنهم يهدفون إلى أشياء أخرى ، ليس هدفهم هو وصول الإنجيل إلى المسلمين فحسب ، بل الوصول إلى الطبقة العامة من العرب ، الوصول إلى الطبقة الشعبية من الناس ، فهؤلاء الناس أسهل ميلاً إلى التنصير من أولئك المثقفين الذين يقرأون و يكتبون و يفهمون اللغة الفصحى . هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى التأكيد على الأجزاء الإقليمية العالم العربي ، و إعادة هذه الأجزاء إلى الروح المحلية و كأنها أجزاء قائمة بذاتها لها لغتها و تقاليدها ، مبتوتة الصلة بالإسلام و بالقرآن و باللغة الفصحى التي تجمع بينها . إنهم يهدفون إلى أن يقع في حس المسلم اللبناني مثلاً أن الأصل هو لبنانيته ، أما الإسلام فهو طارئ ، غازٍ ، سحابة صيف و انقشعت ، و عليه أن يعود إلى جذوره الفينيقية القديمة ، و كذلك السوري و العراقي و الجزائري .

 

اليوم دعوة إلى تلاوة الإنجيل باللغة المحلية ، و غداً دعوة إلى تعميق هذه اللغة المحلية و اتخاذها وسيلة الكتابة و التعليم ، و بعد غد دعوة إلى نبذ اللغة العربية من التدريس و التلقين ، و أخيراً استعجام القرآن على الأفهام ، و هذا هو المبتغى و المطلب . و من هنا نفهم بواعث الدعوة إلى اللغة العامية التي يدعو إليها بين حين و آخر واحد من هنا و آخر من هناك من أمثال سلامة موسى في مصر و سعيد عقل في لبنان و من يسير على نهجهما و طريقتهما في هذا السبيل .

 

و لكنهم ـ بحمد الله ـ يعجزون و يعترفون بأن سيطرة اللغة الفصحى لم تتأثر بأية محاولة ، {وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال : 30] ، فالله تعالى قد تعهد بكفالة هذا القرآن بلغته العربية الفصحى ، إذ يقول سبحانه و تعالى : {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9] .

 

خامساً : المطبوعات :

 

المطبوعات مهمة جداً للتنصير ؛ إذ لم يعد التنصير مكتفياً بالاتصال الفردي ، بل لابد من استخدام هذه الوسيلة العصرية و تحديثها و تطويرها بما يقدم أفضل الخدمات . و إن ريموند جويس في موضوعه “الوضع الحالي للمطبوعات و وسائل الإعلام الأخرى الموجهة للمسلمين” في الصفحة 531 يقول : (و كتب دينسي كلارك يقول : الفرص السانحة و الاستعدادات و الإمكانات الإعلامية الجديدة في العالم الإسلامي الآن أكبر من أي وقت مضى .. يجب أن يكون أحد أهدافنا العمل على إيجاد مطبوعات إعلامية جديدة) .

 

و لا شك بأن هذا الاهتمام من جانبهم يحفزنا ـ نحن المسلمين ـ لأن نكرس جزءاً من إمكاناتنا في محاولة لنشر القرآن و ترجمة معانيه و نشر الكتب و المجلات الإسلامية باعتبارها وسيلة مجدية لنشر الإسلام و توعية المسلمين ، إيقافاً للزحف التنصيري و غيره عن التقدم في ديار و في عقول المسلمين .

 

سادساً : البث الإذاعي :

 

البث الإذاعي .. إنه موضوع و أسلوب هام كرس له التنصير أموالاً و إمكانات هائلة ، و في النصوص التالية تبرز آراؤهم حول هذه الوسيلة المعاصرة ، ففيها ما يكفي من البيان و الإيضاح ، و إن فريد د. أكورود في محاضرته “الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين” قد تحدث عن البث الإذاعي ، و قد جاءت تعقيبات بعد ذلك ، و قد جاء في رده على تعقيبات المشاركين في الصفحة 577 و ما بعدها ما يلي :

 

1-      (ينبغي أن تكون هناك فترة زمنية ملائمة للبرامج ، و أن تكون على الأقل ساعة واحدة يومياً ، إننا قررنا و حققنا من البث الإذاعي ما يصل إلى ساعتين و نصف الساعة يومياً) .

2-      (من هم المستمعون الذين هم هدف البث الإذاعي ؟ و في أي وقت يستمعون فيه إلى الإذاعة يومياً ؟) .

3-      (إن المستمعين الذين استهدفتهم إذاعتنا كانوا شباباً تتراوح أعمارهم ما بين 16-25 عاماً و أغلبهم طلاب متعلمون) .

4-      (و هم عموماً يستمعون إلى الإذاعة في المساء عندما ينتهي يومهم الدراسي ، و لهذا توجه برامجنا إليهم ما بين الساعة 8-9 مساءاً) .

5-      (و في الموسيقى استخدمنا أساساً الموسيقى الشعبية و العربية ، أي أغاني فيروز و موسيقى لفنانين آخرين) .

ثم يتابع قوله :

6-      (و في هذه المرحلة لم تقدم أية رسالة نصرانية ، و لكنها برامج فقط تكون بمثابة “طعم” لجعل المسلمين يستمرون في الاستماع إلى برامجنا) .

7-      (و قد يسر لنا الرب منشداً للنصوص المقدسة ذا صوت جميل ينشدها كما يرتل المسلمون القرآن . إن قراءة الكتب المقدسة بهذه الطريقة غيرت الموقف تماماً ، فقد وردتنا مثل هذه الاستفسارات : أي جزء من القرآن يقرأ ذلك المرتل ؟ و قد أرسلنا إليه الإنجيل مع الإجابة بأن القراءة كانت من الإنجيل الشريف أو من الزبور أي المزامير) .

8-      (كما أن ذلك المنشد و آخر مثله يأخذان قصصاً من الإنجيل كقصة الابن المسرف و يغنيان القصة بلحن شرقي جميل ، كان ذلك رائعاً حقاً) .

9-      (إن العرب يحبون الشعر ، و كنا نحن نقرأ بعضاً من عيون الشعر العربي الرائعة ، و بعد الشعر نقرأ لهم أجزاء من المزامير ، و في نهاية البرنامج نخبرهم أن أعظم شاعر في الدنيا هو النبي داود ، و نسائلهم عما إذا كانوا يريدون نسخة من أشعاره ، و نرسل إلى كل من يطلبها نسخة من المزامير و إنجيلاً) .

10-  (إن اللغة الإنجليزية مهمة لكل عربي يرغب في متابعة تعليمه أو يود الهجرة ، و لقد أذنت لنا هيئة الإذاعة البريطانية بتقديم سلسلة ممتازة من برامج تعلم اللغة الإنجليزية للناطقين بالعربية ، و قد أجرينا تعديلات على السلسلة استخدمناها “كطعم” ، و في الختام كنا نتوجه بالسؤال عما إذا كان المستمع يرغب في نسخة مجانية من كتاب يحتوي على العربية و الإنجليزية جنباً إلى جنب ، و عندئذ نرسل له نسخة من الإنجيل بالعربية و الإنجليزية) .

11-  (و كنا محظوظين إذ كان بيننا شيخ مسلم متنصر يعد لنا البرامج ، و كان يلقي الموعظة كشيخ مسلم و بنفس الأسلوب ، و لكن المحتوى كان من الإنجيل ، و كان برنامجه يقدم دائماً يوم الجمعة) .

12-  ( و كنا نستخدم أساساً مصطلحات إسلامية ، فمثلاً استعملنا “عيسى” بدلاً من “اليسوع” أو “المسيح” ، و في عدن في الجزيرة العربية حيث عملنا سابقاً كان العرب و الصوماليون يسألون من هو هذا النبي الذي يدعى “يسوع” ؟ وكنا نحاول حينئذ أن ننقلهم من “عيسى” الذي يعرفون إلى “يسوع” الذي يجهلون) .

13-  (و كانت البرامج الدراسية هي الأولى في قائمتنا ، و لكن كان من الصعب الحصول على عدد كافٍ من الممثلين ليقوموا بأداء الأدوار في هذا المجال ، فقد كان لدينا ممثلان عربيان يستطيعان تأدية أدوار الحوار الكوميدي ، و كان ذلك من قبيل “الطعم” ، و قمنا ببعض التسجيلات الدرامية في مدرسة نصرانية و خاصة في أيام العطلات) .

14-  ( و كانت برامج الرحلات وسيلة مهمة أخرى للوصول إلى آذان المستمعين العرب ، و قد قدمنا سلسلة من برنامج “مرحباً بك في قبرص” . لقد سافرنا ـ أنا و زميلي العربي ـ إلى جزيرة قبرص ، و تجولنا فيها و معنا أجهزة التسجيل التي تخبرنا عن الجزيرة و التقطنا الأصوات ، و كنا خلال ذلك نتحدث عن قصة الرسول بولس و برنابا ، و قدمنا سلسلة أخرى من برنامج “مرحباً بك في لبنان” و أفضنا في الحديث عن المناظر الخلابة و الآثار التاريخية فيها ، و كانت تلك أنواعاً من البرامج التي قدمناها هادفين من ذلك جعل المستمع يكتب إلينا حتى نرسل إليه نسخة من الإنجيل و نعمل من أجل تسجيله في برامجنا و دوراتنا بالمراسلة) .

15-  و أخيراً يقول مسروراً : (الرب قادنا و كنا مندهشين للاستجابة التي وجدناها لتمجيد اسم الرب) .

 

من النصوص السابقة نرى حرص القوم على نشر عقيدتهم ، و نرى تلك الأساليب التي يجعلونها طعماً لاقتناص المسلمين ، و لا نقول في ذلك شيئاً إذ إنهم يخدمون معتقدهم بهذه الأساليب ، و لو كنا نحن المسلمين واعين لخطورة أمرنا لاستفدنا من هذه الوسائل و لكن في ثوب إسلامي مشرق نظيف ، قاطعين الطريق عليهم ، بل نكون مبشرين بديننا حيث نوجه إذاعتنا الإسلامية لتغزوهم في ديارهم بما نبثه من برامج و بما نبتدعه من أساليب معاصرة .

 

يلاحظ على أساليب المنصرين التي يستخدمونها طعماً بأنها أساليب مجدية على المدى القريب ، و لكنها على المدى البعيد لا تلبث أن تنقلب على صاحبها ؛ ذلك لأن صاحب الحق لا يحتاج إلى طعم ، ففي حقه الصادق ما يغنيه عن هذا الطعم ، و لكن صاحب الباطل يستخدم الطعم ليخدع الفريسة فيقتنصها ، و رحم الله عمر بن الخطاب الذي قال : “لست بالخَب ، و ليس الخَب يخدعني” ، فهو لا يخدع ، و لكنه كذلك متيقظ لا يسمح للمخادعين أن يخدعوه و يقتنصوه .

 

إن استخدامهم هذا “الطعم” إنما يدل على الفراغ و الباطل الذي هم فيه ، إذ إن القضية لا تحتاج إلى طعم ، بل تحتاج إلى حق ، و لكن أين الحق في دين معقد بتثليثه ، محرف في أوهامه و طروحاته ، ضعيف في أدلته و براهينه .

 

و على كل حال فإن الإذاعة أداة ، و هي خير إذا استخدمت في خير ، و شر إذا استخدمت في شر ، و حبذا لو أن المسلمين يعون خطورتها فيستخدمونها في نشر معتقدهم و دينهم .

 

سابعاً : الحلقات الدراسية بالمراسلة :

 

في بحث “تطوير وسائل جديدة لتساعد في تنصير المسلمين” لدونالد ريكاردز الصفحة 644 في الحديث عن حلقات الدراسة بالمراسلة جاء ما يلي : (على الرغم من أن هذه الحلقات بدأت منذ حوالي 15 عاماً على الأقل ، إلا أنها ظلت تخاطب المسلمين على المستوى اللاهوتي بدلاً من مخاطبة احتياجاتهم الآنية . فعلى سبيل المثال دعونا نتخيل ردود فعل الفتيات و النساء المسلمات على حلقة دراسية بالمراسلة عنوانها “حقوق المرأة : ماذا يقول عنها الكتاب المقدس؟” أو “كيف تعيشين في سلام من ضغوط السحر؟” أو حلقة أخرى بعنوان “كيف تجدين حلولاً لمشاكل أسرتك؟” ، و يمكن أن تستمر قائمة العناوين أكثر فأكثر ، فهذه الحلقات الدراسية تهتم بالمشكلات المؤلمة التي يعاني منها الناس) .

 

ففي هذا النص ما يلي :

 

1-      الاتجاه إلى مخاطبة احتياجات المسلمين الآنية و الاهتمام بالمشكلات المؤلمة التي يعاني منها الناس ، و المسلمون أولى لأن يتجهوا هذا الاتجاه في نشر دعوتهم .

2-      تقديم عناوين براقة تخلب عقول المرأة و تطير بلبها بدعوى التحرر و حقوق المرأة ، حيث يصورون الإسلام على أنه كَبَّل المرأة و قيدها و استعبدها ، و أنهم هم الذين يريدون تحريرها من رقة العبودية !!

و في هذا وهم عظيم يدعونا للتصدي له بكل ما يمكن من وسائل لتبيين الحقيقة بأن الإسلام هو الذي حرر المرأة التحرير الحقيقي ، و جعلها سيدة بيتها ، و أعطاها المكانة اللائقة العظيمة ، و هم يريدون لها التحلل و التفلت لتكون فريسة سهلة لمغريات الميوعة و الانحلال ، و المرأة الغربية صورة صادقة عن ذلك .

3-      إن هذه الوسيلة (الحلقات الدراسية بالمراسلة) توفر لهم عناوين و تفتح لهم طرقاً للوصول إلى المسلمين و مخاطبتهم ، و كم يكون الإنسان ـ البسيط العامي ـ سعيداً عندما تصله رسالة من شخص مهم أو من هيئة مهمة ؛ إذ يشعره بأهميته ، مما يدفعه لأن يتصل بهم و يراسلهم ، و بالتالي يقع في فخاخهم و شباكهم ، فيعرضون عليه حينذاك عروضاً مختلفة من إرسال كتب أو ترشيحه لمنح دراسية معينة أو ابتعاثه إلى بلد معين للالتحاق بكنيسة أو لاهوت ، فالحلقات الدراسية تعطيهم عناوين ، و العناوين تفتح لهم خطوطاً و طرق اتصال مباشرة مع الناس الذين يتجاوبون معهم ، و هذا طريق طبيعي لمن يريد الدعوة عليه أن يسلكه لتوسيع قاعدة اتصاله ، و المسلمون يستطيعون الاستفادة من هذه الوسيلة مع إعطائها الصدق في الاتصال ، و الصدق في الوعود ، و التجاوب مع كل رسالة تصلهم .

 

ثامناً : الدخول من خلال الاهتمام بمشكلات الشعوب الإسلامية :

 

دونالد د. ريكاردز في بحثه الآنف الذكر “تطوير وسائل جديدة لتساعد في تنصير المسلمين” ص 644 تحت عنوان “نظرة إلى بعض الوسائل الجديدة” يذكر ما يلي : (هناك اتجاهات مختلفة تؤثر على النشاط التنصيري بين المسلمين اليوم ، منها الاتجاهات التعليمية و المادية و السياسية و الدينية و حقوق المرأة و دولة إسرائيل و وجود العاملين المغتربين و وسائل التنصير ، و يجب أن نأخذ بعين الاعتبار كافة هذه الأمور لأنها تشكل اهتمامات الشعوب الإسلامية في أي مكان) .

 

نعم .. إنهم حريصون ، و إنهم يعرفون طبيعة الأرض التي عليها يعملون و يخططون و ينفذون ؛ لذا فإنهم يتخذون كل الوسائل و الاحتياطات التي تجعل عملهم يصل إلى تحقيق أفضل النتائج دون أن تؤثر عليه السلبيات التي قد تطرأ ، فهم متنبهون و يقظون ، و هذا الشأن هو شأن الذين يتصدرون لدعوة الناس في أي مكان ؛ إذ إن عليهم أن يعرفوا السبل الكفيلة بإنجاح عملهم الدعوي ، و يعرفوا اللغة التي بها يخاطبون الناس .

 

فمن الغباء مثلاً أن تنبري إذاعة تنصيرية موجهة إلى المسلمين في الحديث عن حق اليهود في فلسطين ، أو إذاعة تنصيرية موجهة إلى شمال إفريقيا عن هجرة المسلمين إلى فرنسا ذاكرةً الآثار السلبية التي تصيب المجتمع الفرنسي من جراء هذه الهجرة ، بل على العكس من ذلك فهي تتحدث عن هموم هؤلاء المسلمين في فرنسا محاولةً تقديم الحلول لهذه المشكلات ، و هكذا .

 

تاسعاً : الحوار الإسلامي ـ النصراني :

 

من الأساليب الجديدة الحوار الإسلامي ـ النصراني ، فقد قدم دانييل ر. برستر محاضرة بعنوان “الحوار بين النصارى و المسلمين و صلته الوثيقة بالتنصير” ، فقد جاء في رد الكاتب على التعقيبات في الصفحة 781 ما يلي : (…  إضافةً إلى ذلك ، فإنني أعتقد بوجود قيمة حقيقية في الحوار سواءاً على المستوى الرسمي أو غير الرسمي . فعلى المستوى الرسمي يمكن القيام بالكثير لتصفية المياه العكرة التي أثارتها قرون من الإمبريالية الدينية و السياسية على كلا الجانبين ، و أعني بذلك : الجهاد و الحملات الصليبية و الاستعمار و الصهيونية … إلخ . و على المستوى غير الرسمي فإن للحوار وظيفة طبيعية يمكن أن تفتح أبواباً للصداقات و تخلق تفاهماً متبادلاً بغرض المشاركة في حقيقة الحياة كما يراها النصراني ، و فيما لا يستطيع شخص نصراني مخاطباً شخصاً آخر في جو الحوار أن يقول : اندم و آمن بالكتاب المقدس ، فإنه يستطيع أن يقول : قد ندمت و آمنت و هذا ما حدث لي) .

 

1-      إنهم يهدفون إلى الحوار من أجل :

أ‌)       تصفية الجو بينهم و بين المسلمين المتحاورين معهم .

ب‌)   فتح أبواب للصداقات .

ت‌)   إيجاد جو من التفاهم المتبادل .

2-      الغرض منه : المشاركة في حقيقة الحياة كما يراها النصراني .

3-      الأسلوب في الحوار يكون ناعماً جداً : فبدلاً من “اندم و آمن” بصيغة الأمر يستخدم المحاور “ندمت و آمنت” في صيغة الحديث عن شخصه ، و في صيغة الماضي .

 

و عليه فإن على المسلمين أن يكونوا يقظين لعدم الوقوع في هذه الفخاخ المنصوبة لهم أثناء الحوار ، و نحن بدورنا لا نقوم بتحريم هذا الحوار ، و لكننا نقول بأن لا يذهب إلى هذا الحوار كل من هب و دب من المسلمين ممن لا يملكون حجة كافية و استعداداً كافياً له مما يعجزه عن مواجهة أناس متخصصين في هذا الفن . بل إن المرشح لهذه المحاورة نيابةً عن المسلمين ينبغي أن يكون على دراية عالية من الثقافة و اللباقة و الثقة بنفسه و بدينه ، و بذا يمكنه أن يحول الوسيلة الحوارية لتكون عليهم بدلاً من أن تكون لهم .

 

إن الإسلام قد علمنا أدب الحوار و أدب النقاش و أدب الخلاف ، حتى مع الكافرين و مع الذين يخالفوننا في الرأي ، و إن لهذا الحوار أصوله و طرقه ، و ينبغي على المناقش أن يدرك هذه الأمور الفنية قبل دخوله حلبة النقاش . و هناك عدة كتب ألفت في هذا الصدد و من أبرزها “أدب الخلاف” للدكتور طه جبر العلواني الصادر عن مجلة الأمة القطرية ، و “رسالة صغيرة في أصول الحوار” صادرة عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض ، و “ثقافة الداعية” للدكتور يوسف القرضاوي ، و غيرها كثير .

 

عاشراً : التنصير بالفيديو :

 

“دليل الفيديو النصراني” كتيب تعاون في جمع مادته و نشره منظمتان نصرانيتان هما (الاتحاد الإنجيلي) ، و (مجلس البث النصراني في بريطانيا) ، بغرض التنسيق و التعريف بالمبادرات الفردية و الجماعية للتعريف بالنصرانية عن طريق إنتاج الأشرطة من فيديو و كاسيت و غيره ، علماً بأنهما لا يعملان في إنتاج هذه الأشرطة .. يحتوي هذا الدليل على أسماء حوالي 1000 شريط ، و أسماء و عناوين 80 موزعاً لهذه الأشرطة من فيديو و كاسيت و أفلام مصنفة بحسب المحتويات التي تفصله و تحجبه عن النصرانية بكل ما فيها من تخليط و انحرافات .

 

التزلف لكسب المسلمين

 

لقد أعيت المنصرين الحيل ، فمرة يقفون وراء الذين يهجمون على العالم الإسلامي بمدافعهم و رشاشاتهم في حرب صليبية دامية ، و مرة يقفون إلى جانب القوى الاستعمارية ضد مصالح العالم الإسلامي ، و مرة يهاجمون الإسلام في عقيدته و قرآنه و أحاديثه و تاريخه و شخصياته ، و مرة يسلكون سبيل تقديم الخدمات الطبية و الإنسانية ، و مرة ، و مرة ، و لكنهم بعد كل مرة يشعرون بأنهم يرتطمون بصخرة الإسلام العظيمة ، و أنهم يتحطمون و يتيهون .

 

لقد أقلقهم صمود الإسلام و صمود المسلمين أمام جهود التنصير الهائلة ؛ إذ إنهم لم يجنوا إلا أقل النتائج التي تقل كثيراً عن الطموحات و الأهداف ، و إن هذا القلق و هذه الحيرة تتمثل فيما يلي :

 

  1. ديفيد أ. فريزر في موضوعه “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” يقول في مطلع بحثه في الصفحة 238 ما يلي : (إن المسألة الأساسية التي تواجه عملية تنصير المسلمين هي كيف يستطيع المنصرون برقة و وضوح إقناع المسلمين بوجوب الإيمان بيسوع كرب و الإخلاص له) .
  2. و النص الأقوى و الأشد صراحةً في التعبير عن هذه الحيرة و القلق يبدو في قول تشارلس هـ. كرافت في موضوعه “كنائس ملائمة للمتنصرين الجدد في المجتمع الإسلامي” حيث يقول في الصفحة 170 ما يلي : (لقد قاوم المسلمون بصورة عامة بالطبع هذا الإكراه الثقافي ، و خاصةً في المسائل اللاهوتية ، و بهذا تركونا بدون استراتيجية تنصيرية) .

 

إنهم أمام هذا العجز و هذا الاضطراب قد ابتدعوا الوسيلة الجديدة التي يأملون أن تكون طريقة مثمرة ذات مردود فعال ، و لكن من يدري لعلهم بعد العمل المتواصل لعشرات من السنوات في هذه الطريقة سيصلون في نهاية المطاف لاهثين و إذا بهم قد سقطوا في دائرة الارتطام على صخرة الإسلام ، و إذا بهم يقولون بأن هذا الطريق غير نافع و لابد لنا من وسائل جديدة بديلة ، عسى أن توصلنا إلى حل هذا اللغز ، و ربما سينتقدون أنفسهم كثيراً لأنهم سلكوا هذا السبيل لأنه سبيل خطر عليهم قد يكون وسيلة لغزو النصرانية ذاتها بدلاً من أن يكون وسيلة لأن تغزو النصرانية به الإسلام ؛ ذلك لأن الإنسان عندما يكون مستعداً لأن يتخلى عن جزء يسير من مبادئه شكلاً أو مضموناً فلسوف يرى نفسه في آخر الطريق قد تخلى عن أشياء كثيرة تباعاً ، و سوف يحتاج إلى الكثير من أجل أن يرمم ما أوهته يداه .

 

و إن آخر مبتكراتهم في هذا الصدد هو انتهاج سبيل جديدة تظهر قدراً عظيماً من عجزهم و حيرتهم ؛ ذلك أنهم ابتدعوا وسيلة “التزلف” بعد أن أعيتهم كل الحيل و الوسائل السابقة في تاريخ التنصير . و فيما يلي عرض لهذه الوسيلة أشكالاً و أصنافاً .

 

تتلخص هذه الوسيلة التي أطلقنا عليها هذا الاسم بأن المنصرين قد أصبح لديهم استعداد لأن يلووا عنق النصرانية حتى تقترب من الإسلام ، و لتكون بعد ذلك مصيدة للمسلمين من أجل تنصيرهم . إنهم مستعدون لبناء مسجد عيسوي ، و صلاة نصرانية في قالب إسلامي ، و تقبل أشخاص أنصاف نصارى أطلقوا عليهم اسم “مسلمون ـ عيسويون” ، كل ذلك حتى تبدو النصرانية أكثر جاذبية ، و أكثر تقبلاً ، و أقل رفضاً من قبل المسلمين الذين ألفوا الدين بطريقة معينة و أسلوب معين ، إنهم يطمحون أن يسبغوا على المبادئ و الشعائر و القيم النصرانية شكلاً إسلامياً على أمل أن يسهل ذلك عملية انتقال المسلم إلى النصرانية دون ردود فعل قوية ، إنهم يقومون بدور الرجل الذي يشعر بأن الطفل المريض الذي أمامه يرفض تناول دواء معين لمرارته و كزازته فيعمد إلى وضع هذا الدواء ضمن عبوة من السكريات و الحلاويات و التي يحبها الطفل حتى يرغب في تناولها ثم بعد ذلك يفعل هذا الدواء فعله في نفسه . و من خلال النماذج التي سنعرضها سنتبين طريقتهم هذه و نعرف مداخلهم الجديدة .

 

أولاً : إنهم يحاولون إيجاد جذور دينية لهذا التزلف مستلهمين شخصية “الرسول بولس” الذي تشكل في أشكال و تقولب في قوالب مختلفة من أجل أن يصل إلى غير النصارى من أجل تنصيرهم . فإن بشير عبد المسيح في موضوعه “استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح و سلوكه” قد تساءل في الصفحة 117 حيث يقول : (فقد تجسد الرسول بولس المسيح في شكل يهودي كي يصل إلى اليهود ، و تجسد في شكل وثني كي يصل إلى الوثنيين ، فهل لدينا الجرأة على سلوك مسلك يسوع و الرسول بولس و أن ندعو إلى مسيح متجسد بشكل إسلامي كي نصل إلى المسلمين ؟ هل نجد في قلوبنا مقاومةً و رفضاً لهذه القضية ؟) .

 

ثانياً : ليس الرسول بولس هو الذي انتهج هذا السبيل من تلقاء نفسه ، بل إنه اقتدى في ذلك بالمسيح ذاته ، و هذا ما ظهر في النص السابق ، و كذلك فإن النص التالي يوضح بأن اليسوع ـ كما يزعمون ـ قد تجسد في شكل عبري نصراني حتى يصل إلى قلوب اليهود العبرانيين من أجل تنصيرهم ، فإن تشارلز هـ. كرافت في موضوعه “كنائس ملائمة للمتنصرين الجدد في المجتمع الإسلامي” في الصفحة 171 – 172 يقول : (هل يمكن على الأقل أن يطور بعض الأمريكيين ـ الأوروبيين المقدرة على التعامل مع المسلمين كما فعل المسيح و الرسول بولس بهدف التمكن من التأثير عليهم من داخل أطرهم الثقافية ؟ هل يمكن للمرء أن يكون مسلماً ـ نصرانياً كما كان المسيح و الرسول بولس و الكثير من أتباعهم عبريين ـ نصارى ؟) .

 

ثالثاً : أول خطوات هذا الطريق تتمثل في هذه المفاتيح التي دعا إليها آرثر ف. كلاسر و هو يقدم توصيات للمنصرين في موضوعه “تقرير المؤتمر” ، إذ يقول في الصفحة 56 : (لقد تم تكراراً و أثناء اللقاءات تحديد و تأكيد مفاتيح مهمة و عديدة للتنصير الفعال ، و هي :

  • أهمية الشفافية أمام الآخرين .
  • مركزية المحبة في مجمل تعاملنا مع الآخرين .
  • تكريس الاحترام و الصدق نحو الذات و نحو مطالب الإنجيل الصارمة .
  • حتمية انسكاب دموع الشفقة من أجل الآخرين .
  • الصلاة و الصوم .
  • الحاجة إلى الشجاعة و الصبر و المثابرة .
  • المقدرة على استيعاب السخرية و المعاناة .
  • أهمية الإيمان المتواصل و تمجيد ربنا رب المستحيل) .

 

يلاحظ هنا انسكاب الدموع ، و الشفافية ، و مركزية المحبة ، كل ذلك عليهم القيام به من أجل الالتفاف على المسلمين في محاولة لكسبهم و لو عن طريق هذا المظهر الضعيف الذي يخفى وراءه رغبة في اقتناص المسلمين .

 

رابعاً : و كذلك فإن أرثر ف. كلاسر ذاته يقول في الصفحة 72 من موضوعه آنف الذكر : (نحن نأمل أيضاً في عفو أصدقائنا و جيراننا المسلمين و أن لا يتخذوا موقفاً بسبب قصورنا ، بل أن يمنحونا صداقتهم و محبتهم) .

 

إنهم هكذا في ملمس مخملي ، و في نعومة الحرير ، يدلفون إلى قلوب المسلمين طالبين الصداقة و المحبة و العفو ، ممن ؟ من جيرانهم ، من أصدقائهم ، من المسلمين ، من الذين أذاقوهم مر القسوة و قسوة المرارة !! الآن بعد أن عجزت كل وسائلهم ، و بعد أن فَلَّت كل أسلحتهم ، جاءوا بثوب جديد ناعم اسمه المحبة ، الجيران ، الأصدقاء .. الآن ، و الآن فقط أصبحنا جيرانهم و أصدقاءهم ، و أصبحنا نحن الذين نعطيهم العفو و الفرصة و المحبة .. إن هذه المفاتيح التي دعا إليها كلاسر و التي تدور حول النعومة و اللطف و الشفافية إنما هي وسائل اقتناص جديدة عجيبة .

 

خامساً : ثمة أسلوب آخر يدعو إليه بشير عبد المسيح في موضوعه “استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح و سلوكه” ، و ذلك في الصفحة 117 حيث يقول : (إن الرسول بولس يدعونا لأن نفكر مثل هذا التفكير ، فما المدى الذي نحن على استعداد للذهاب إليه كي نجسد المسيح في بيئة إسلامية ، هل يمكننا أن نكون قد اتبعنا النموذج الذي أعطانا المسيح إياه في التجسد إذا ما قمنا بلبس العمائم و الجلاليب و ذهبنا إلى أماكن عبادتهم حتى لو نظر إلينا الناس خطأ كمسلمين) .

 

  • إنهم يدعون إلى لبس العمائم و التشبه الظاهري بالمسلمين حتى تزول جميع الفواصل الظاهرية التي تفرق بينهم و بين المسلمين ، بحيث يتقبلهم المسلم نفسياً و يشعر بأنهم قريبون منه ، بل إنهم مثله .
  • إنهم يدعون إلى الذهاب إلى المساجد و أماكن العبادة الإسلامية ؛ كي يشاركوا المسلمين هذه العبادة مشاركة ظاهرية ، و هو أسلوب رهيب من أجل إذابة الفوارق النفسية ، و تكون هذه الأشياء خطوة أولية للتقارب ، تعقبها خطوات الاقتناص و الإقناع بالنصرانية بعد ذلك .

 

سادساً : إن هذا التزلف قد جنح بهم أيضاً في هذا السبيل إلى الدعوة إلى أداء الشعائر النصرانية في صورة إسلامية ، و الشكل و القالب إسلامي لكن الحقيقة و الجوهر نصراني ، على أن ذلك وسيلة من وسائل الاقتراب من المسلمين في سبيل اقتناصهم و جذبهم إلى حظيرة النصرانية ، فإن بشير عبد المسيح في موضوعه “استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح و سلوكه” في الصفحة 119 يقول : (إن المتحولين عن الإسلام الذين يقولون : إن أعمق تجربة لعبادة يسوع المسيح هي في سجودهم و رؤوسهم على الأرض ، لهم مطلق الحرية في أن يتعبدوا بمثل هذه الطريقة و يبنوا أماكن عبادتهم على هذا الأساس ، و يسوع يحررهم من العبادة وفق الأنماط و الأشكال الغربية ، فهل سمحنا لهم بذلك ؟) .

 

سابعاً : إن بشير عبد المسيح ذاته يعمد في الصفحة 120 إلى التوسع في هذه المظاهر التعبدية و الدعوة إلى تأديتها وفق الأنماط و الأشكال الإسلامية فيقول : (إن أركان الإسلام الخمسة تتوافق جوهرياً مع الكتاب المقدس في معظم أشكاله ، و إن كانت تختلف أحياناً في المضمون) : كالتشهد ، و الصلاة ، و الزكاة ، و الصيام ، و الحج ، فهذه الأشياء ذاتها موجودة في النصرانية الأصلية ؛ إذ فيها تشهد و صلاة و زكاة و صيام و حج ، و لا خلاف بينهما في ذلك من ناحية الشكل ، كما يقول و هو يدعو إلى الإتيان بها تقرباً من المسلمين و لكن بمضمون نصراني ، إذ يبين بعد ذلك في الصفحة 121 فيقول : (و الشئ المهم هو أن تصحَح غايته و وجهة نظره ، و أن يتطلع إلى المسيح كمُخَلِّص و حياة له و ثواب أمام الرب) ، أي أنهم يقبلون لهذه الأمور التعبدية أن تؤدى في ثوب إسلامي ، و لكن في حقيقة و مضمون نصراني .

 

ثامناً : إن قمة هذا التزلف نراه في دعوتهم إلى أن يكون هناك “مسلم ـ عيسوي” ، و أن يكون هناك “مسجد عيسوي” . إن دونالد ر. ريكاردز في موضوعه “تطوير وسائل جديدة لتساعد في تنصير المسلمين” في الصفحة 645 يقول : (نحن نقترح أن يطلق على المسلمين الذين يعتنقون النصرانية “مسلمون ـ عيسويون” ، و هذا له معنيان :

            أولاً : أنهم استسلموا لعيسى .

            ثانياً : إنهم مايزالون جزءاً من ثقافتهم و وطنهم) .

 

ثم يقول بعد ذلك في الصفحة 646 : (لماذا لا نطلق على المكان الذي يلتقي فيه المسلمون العيسويون “مسجد عيسوي” ، فربما قبل المسلمون في النهاية المسجد العيسوي كفرع طبيعي ضمن الثقافة الإسلامية؟) .

 

ثم تحدث المحاضر عن الطقوس الدينية في هذا المسجد العيسوي فيقول في الصفحة 647 : (إذن نقترح بأن تترك الأحذية عند الباب في المسجد العيسوي ، و ليس هناك خسارة في ذلك ، و أن تكون أوضاع متعددة للصلاة عامة ـ و الكتاب المقدس يسمح بالركوع و رفع الأيدي ـ و أن لا تكون هناك مقاعد ، و أن تستعمل حصائر للصلاة إذا رغب المصلون بذلك ، و لكن المصلين لن يولوا وجوههم نحو الشرق و لن يكون هنالك أي إشعار أو دعوة للجهاد على حيطان المسجد العيسوي ، و لو أن المسلمين العيسويين قد يقررون مستقبلاً كتابة شئ عن المسيح على تلك الحيطان) .

 

هذه هي إذن صورة المسجد العيسوي و صورة المسلم العيسوي ، أي المسلم النصراني كما يتخيلها بشير عبد المسيح ، و التي يدعو إليها ، و لكن ما الذي يقوله عن أيام الأسبوع ؟ إنه يبين رأيه في ذلك إذ يقول في الصفحة 648 : (نحن نقترح على ضوء ما يقوله العهد الجديد بخصوص مراعاة الأيام  أن يتم توزيع تقويم على المسلمين العيسوين يوضح لهم أن يوم الجمعة هو اليوم الأول في الأسبوع بالنسبة إليهم) .

 

و ما الذي يقوله عن شهر رمضان ، شهر صيام المسلمين ؟ إنه يبين في الصفحة 648 وجهة نظره حول هذا الشهر الكريم من أجل تنصيره أيضاً بقوله : (يجب أن نجعل من رمضان شهر الصيام شهراً مليئاً بالعمل و النشاط و الحيوية ، بخلاف ما كان عليه الحال في الماضي من قضاء ليالي الشهر في ممارسات لا دينية) .

 

إنه يرسم و يهندس الأشياء و يتخيلها و كأن الناس أمامه مجرد أحجار على رقعة الشطرنج يَدَعُهم و يحولهم و يحركهم كما يريد ، و كل ذلك انطلاقاً من فكرة إذابة الفارق الثقافي الحياتي الديني بين المسلمين و النصارى حتى يصبح الشخص النصراني ، و المعتقَد النصراني ، و العبادة النصرانية ، قريبة إلى استيعاب المسلم ، و حتى تبدو له هذه الأشياء مرحلة انتقالية بين الإسلام من ناحية و النصرانية من ناحية ، فهي الجسر الذي يعبر عليه المسلم ، فهو مسلم ، ثم مسلم عيسوي ، ثم عيسوي ، و كلمة عيسوي هنا تعني نصراني ، و لكنها كلمة مقبولة للمسلم الذي يحب عيسى لكونه واحداً من الأنبياء الذين يقدرهم المسلمون و يجلونهم حسب المفهوم الإسلامي لا المفهوم الوثني المشرك النصراني .

 

تاسعاً :  إن أفكار بشير عبد المسيح قد أثارت عديداً من التساؤلات و التعقيبات ، و قد جاء في الصفحة 652 – 653 من رده على تعقيباتهم قوله : (الحقيقة إن مصطلحات مسلم عيسوي و مسجد عيسوي ستكون بالتأكيد مهينة للمتنصرين الوطنيين في أنحاء العالم الإسلامي ، لكن بدلاً من أن نعلن عن يأسنا فأمامنا إمكانية لمناقشة هذه الأفكار الجديدة مع هؤلاء المتنصرين و بطريقة أخوية ، فبدلاً من افتراض عنادهم و تصلبهم في هذا المجال لدينا فرصة لأن نشاركهم التفاؤل في أفكار جيل جديد ، لماذا نستبق الأمور و نحكم بأنهم لن يتجاوبوا بالإيمان و الفرح كما يفعل كثير منا ؟) .

 

إن لديه أملاً ، بل ربما سيجد في هذا الأسلوب حقلاً تجريبياً جديداً ، لنجرب ، و لنرَ ، قد تصيب هذه الأفكار و قد تؤتي ثمارها ، هذا ما يراه بشير عبد المسيح الذي يحاول إقناع المؤتمرين به . و لكن إن الذي نراه بأن في هذا الأسلوب جملة من النقاط التي تستحق الوقوف عندها و تسجيلها :

 

  1. إن هذا الأسلوب يعبر تعبيراً صريحاً عن الإفلاس في الوسائل ، فإنهم بعد أن استنفدوا كل وسائلهم التنصيرية الترغيبية و الترهيبية على حد سواء ، و لم تنفع كلها في التحول العام للمسلمين إلى النصرانية قد اعتراهم اليأس و بدأوا يفتشون عن وسائل تعبر عن هذا الإفلاس الواضح .
  2. إن هذا الأسلوب ـ إذا قدر له أن يستخدم ـ قد يكون وسيلة لجذب النصارى إلى الإسلام بدلاً من جذب المسلمين إلى النصرانية ؛ لأن صاحب العقيدة الأقوى هو الذي يستطيع جذب الأضعف ، و ما الحروب الصليبية عنا ببعيدة ، فإن النصارى قد حققوا نصراً عسكرياً لكنهم و بنفس القدر قد حققوا هزيمة عقدية و حضارية و نفسية ؛ إذ إن بعض عادات و تقاليد المسلمين و مفاهيمهم و ألبستهم و شاراتهم و طرائق معاشهم قد انتقلت إلى النصارى ، فصاروا نصارى في ثوب إسلامي من العادات و الأشكال ، و قد حدث الأمر نفسه من التتار و المغول الذين انتصروا عسكرياً على المسلمين الضعفاء المفككين لكنهم هزموا أمام الحق الأقوى الذي وجدوه في الإسلام ، فقد أسلموا و تغيرت سلوكياتهم و هيئاتهم و شخصياتهم لتتوافق و تتشابه مع شخصية المسلمين ، و عادوا إلى بلادهم ليحكم أحفادهم بالإسلام قروناً مديدة .
  3. إن الانحراف يبدأ صغيراً ، لكنه بعد ذلك يكبر و يكبر حتى لا يستطيع امرؤ التحكم فيه أو السيطرة عليه ، إنهم يريدون اليوم أن ينحرفوا بالمفاهيم النصرانية تجاه الإسلام ، و لو بزاوية بسيطة بهدف جذب المسلمين إلى حظيرة النصرانية ، و غداً يقبلون بزيادة هذا التقارب ، و بعدها قد يصبح الأمر قبولاً للإسلام ذاته عندما يستشعرون حلاوة صيام رمضان و جمال تلاوة القرآن ، و فرحة التوجه إلى الله الواحد الأحد ، تلك الفكرة أو تلك الأفكار التي سينقلها لهم المسلمون من خلال هذا المسجد العيسوي أو الإسلام العيسوي الذي يدعون إليه .
  4. إن المسلم لن يقبل على نفسه هذا التلفيق المضحك ، فإن أراد الإسلام فليأخذه من مسجد المسلمين ، أما هذه (الاستشكالات) و (التعقيدات) بين الإسلام ـ و الإسلام العيسوي ـ و النصرانية ، و بين الظاهر الإسلامي و الباطن النصراني ، بين معرفته بدينه كما أخذه عن آبائه و بين هذه التناقضات ، كل ذلك سيجعله أمام خيارين : إما أن يبقى في دينه ، و إما أن يتخلى عن فكرة الدين إطلاقاً ، أما هذه الوضعية الدينية المشوشة فلا يمكنه هضمها و لا استيعابها .
  5. إن الرفض الذي يبديه المسلمون تجاه النصرانية ليس في هذه الأشكال ، أي لن تكون هذه الأشكال وسيلة لجذبه إلى النصرانية ، و ذلك لأن القضية عميقة الجذور في نفسه ، و ذلك من خلال اتجاهين :

أ‌)       المعتقد الإسلامي الواضح حول الألوهية الواحدة و حول الدين الحنيف الذي عرفه أو ورثه عن آبائه و أهله و مجتمعه .

ب‌)   الكراهية للكنيسة بسبب ماضيها المعادي للإسلام ، و بسبب مواقفها التاريخية من المسلمين ، و بسبب الأفكار التي تستعصي على الفهم كالتثليث ، ثلاثة في واحد ، و واحد في ثلاثة ، تلك الأقانيم التي لم يستطع أن يهضمها النصراني ذاته إلى اليوم ، فما بالك بالمسلم الموحد .

  1. إذا افترضنا بأن ثمة نجاحاً يمكن أن يتحقق من خلال هذا التلفيق الساذج فإن هذا النجاح لن يتحقق إلا لدى الأشخاص المسلمين الهامشيين فقط ، و هؤلاء مرفوضون في الأصل ، ليسوا مرفوضين من قبل المسلمين ، بل من قبل المنصرين ، و ذلك لأسباب أخرى كثيرة بيناها في موضع آخر من هذا البحث .

 

عاشراً : إن هذه الإذابة للفوارق الثقافية و التزلف للمسلمين و قبول مرحلة وسط بين الإسلام و النصرانية ، ليست فكرة واحد من المؤتمرين هو بشير عبد المسيح الذي اقتبسنا عدداً من آرائه في الفقرات الآنفة ، بل إن بول هابيرت يدلي بنفس الآراء كذلك ، ففي الصفحة 81 يقول عن المسلم المتنصر في باكستان ما يلي : (هل يمكنه أن يستخدم لغة الأوردو للتعبير عن إيمانه ؟ أو أن يستعمل الطبول و أساليب الغناء في ترانيمه النصرانية ؟ هل يستطيع الاجتماع مع أقرانه النصارى في الجامع ؟ هل يجب عليه أن يطلق زوجته الثانية و الثالثة و يحولهن إلى عاهرات ؟) .

 

ثم يقول في الصفحة 82 : (ربما يستطيع الباكستاني المتنصرحديثاً أن يستخدم عدداً من صيغ ثقافية دون أن يتزعزع إيمانه ، فهو يستطيع النوم في سريره القديم ، و أن يأكل الأطعمة المعتادة ، و أن يصلي و هو جالس على الأرض) .

 

إن النصرانية من خلال إحساسها بضعفها عن إمكانية الانتصار العقلي الخاضع للبراهين و المنطق أخذت تبحث عن وسائل بديلة ذات جذب خادع ، و هو جذب مؤقت بالتأكيد ، و جذب ضعيف بالتأكيد ؛ لأن الذي ينجذب بهذه الطريقة سيصحو في يوم من الأيام إذا لم يجد ما يشبع روحه و فكره ، هذا من ناحية . و من ناحية أخرى فإن النصرانية لتورطها في هذا الاتجاه المائع قد خسرت الكثير ؛ لأنها قبلت أن تحتوي النصراني الغربي على الرغم من كل آفاته و انحرافاته و سقوطه ، و قبلت منه فقط أن يحضر في يوم الأحد للقداس الكنسي ، أن يحافظ و لو على رباط واه مع الكنيسة مهما كان منحرفاً عن المبادئ النصرانية الأصلية ، لكن ذلك أفقدها الكثير ، و جعل نظرة النصراني إليها خالية من الاحترام و التوقير ، و أصبح الزاني و شارب الخمر و اللص و المنحرف سلوكياً و الشاذ جنسياً أصبح هؤلاء مقبولين في الكنيسة ، مادام لديهم استعداد لأن يحضروا إلى الكنيسة في بعض الأيام من السنة ، و ماداموا يحتفلون بعيد الميلاد ، و مادام لديهم استعداد لأن يجثو كل واحد منهم على ركبتيه أمام القسيس معترفاً بذنوبه العجيبة ليغتفرها له و يريح ضميره منها ، و مادام يدفع الضرائب بشكل منتظم للكنيسة . إن كل واحد من هؤلاء سيحس من داخله بسخرية عجيبة من هذا الدين الذي لا يتجاوز القشرة الظاهرية ، لقد أصبحت الكنيسة أضعف من أن تستطيع احتواء مشاعر النصراني الذي أخذ يبحث عن إشباع تطلعاته الروحية في أي معتقد آخر .

 

إن النصرانية عندما ترضى بأنصاف الحلول هذه لن يكون ذلك سبباً في انتصارها ، ربما تنتصر مؤقتاً لأسباب كثيرة مادية و نفسية ، و ربما انتصرت مؤقتاً في بعض ديار المسلمين النائية كجنوب شرقي آسيا و إندونيسيا و بعض مناطق إفريقيا لما فيه المسلمون من ضعف و تفكك حالي ، و لكنه يبقى انتصاراً ظاهرياً مؤقتاً ، و ذلك لافتقاد النصرانية لأي حق عقلي منطقي مقبول أو جذب روحي صادق مشبع .

 

حادي عشر : إن هذا الإحساس بالتزلف لكسب المسلمين قد شعر به بعض المؤتمرين مما جعل فريزر في رده على بعض التعقيبات الواردة على موضوعه “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” في الصفحة 258 – 259 يقول : (لم يكن البعض مرتاحاً لأنهم شعروا بأني أؤيد جعل العقيدة النصرانية أكثر جاذبية ، إني أقر بهذا ، فأنا لا أعتقد أن الناس يمكن أن يتجاوبوا مع الدعوة إذا بدا المسيح لهم أجنبياً عنهم أو لا علاقة له باحتياجاتهم الحقيقية ، أو أنه يناشد الناس بأن يخونوا أقاربهم أو ينبذوا ثقافتهم ، إن المسيح ليس كذلك ، إننا نحن الذين جعلناه يبدو هكذا بواسطة العديد من أساليبنا) .

 

نعم ، إنهم أساءوا إلى المسيح في كثير من تصرفاتهم مع المسلمين عبر القرون ، و لكن المسيح عيسى عليه السلام ليس أجنبياً عن المسلمين كما يتصورون ، و إن المسيح عليه السلام لا يحتاج إلى شهادة تزكية منهم ، و ليس في حاجة لأن يقدموه إلى المسلمين في أسلوب أكثر جاذبية حتى يصبح مقبولاً .

 

إن المسيح لدى المسلمين نبي ، بشر ، محبوب ، مذكور في القرآن بكل ما يليق به من التقدير ، هو و أمه الصديقة ، إن المسيح لدى المسلمين قريب إلى قلوبهم ، قريب إليهم على طريقتهم الصافية الناصعة ، على حسب المفهوم البرئ من الشرك و التأليه و الوثنية ، الخالص من الخرافات و التعقيد ، يقول الله تعالى : {وَ إذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ؟ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لا أعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الغُيوبِ} [المائدة : 116] .

 

إنهم يفترضون مشكلة ما ، و يبذلون جهوداً عظيمة لإزالة هذه المشكلة ، علماً بأن المشكلة من أساسها ليس لها وجود على الإطلاق إلا في عقولهم و ذواتهم و تصوراتهم المنحرفة .

 

و إننا نطلب إليهم أن يوفروا هذه الجهود المضنية في هذا السبيل و ندعوهم لأن يصححوا نظرتهم إلى المسيح ، عندها سيلتقون بالمسلمين تلقائياً .

الدعوة إلى مخاطبة الناس على قدر عقولهم

 

من الخطأ بمكان أن نتصور بأن جميع المؤتمرين لا يتكلمون بروح علمية دقيقة ، فمما لا شك فيه أن بعضهم قد اكتسب خبرات جديرة بأن تجعله يعرف كيف يطرح طروحات منطقية ، و إن مخاطبة الناس على قدر عقولهم و بحسب اهتماماتهم خلق نبيل دعانا إليه الإسلام ، و لقد تنبه بعضهم إلى هذا الأسلوب داعياً إلى انتهاجه على أمل أن يكون أسلوباً مفيداً بعد أن فشلت كل الأساليب السابقة .

 

إن شارلي ر. تيبر في موضوعه “الظرفية و التحول و التأصيل” قد تحلى بكثير من هذه الروح ، فأنت تلمس لديه طرحاً لأمور تنصيرية لكنه طرح يدل على فهم و حصافة .

 

إن شارلي في موضوعه قد أشار إلى جملة من الأمور التي يدعو فيها المنصرين لأن يدعوا إلى النصرانية من خلال مناقشة الأمور النصرانية و إزالة الإبهام المتعلق بها مما يجعل الخطاب بين المنصر و بين المدعو إلى التنصير من ناحية خطاباً متفهماً لجميع القضايا المثارة في ذهن هذا المدعو ، و إن المنصر إذا استطاع أن يجيب عن هذه التساؤلات عندها يصبح من السهل تقريب هذا المدعو إلى التنصير ، حيث تزول المسافات .

 

1-      {مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلانِ الطَّعَامَ ، انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انظُرْ أنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة : 75] .

2-      {إنَّما المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ ، فَآمِنُوا باللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} [النساء : 171] .

3-      {لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أن يَكُونَ عَبْدَاً للهِ} [النساء : 172] .

 

و عليه فإن للمنصرين اتجاهاً جديداً هو التزلف من أجل كسب المسلمين ، و ما على المسلمين إلا أن ينتبهوا لهذه الوسائل و يعدوا لها ما يكافئها من الحلول التي تجعلها لهم بدلاً من أن تكون عليهم ، {وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال : 30] ، {وَ مَا يَمْكُرُونَ إلا بِأنفُسِهِمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام : 123] .

 

أولاً : يبين شارلي في الصفحة 209 – 210 كيف ينبغي على المنصر أن يخاطب المدعو إلى النصرانية من خلال اهتماماته التي تشغل باله و تقلق نفسه ، فهو مدخل لطيف يغفل عنه الكثيرون ، إذ يقول : (يسعى أسلوب الظرفية إلى اكتشاف المعطيات الإنجيلية التي تلائم أناساً معينين ، و بمعنى آخر فإن الظرفية تسعى للاقتداء بالمسيح الذي نجح في تقديم الإنجيل بصورة تناسب احتياجات كل إنسان و الظروف المحيطة به ، و من هذه الناحية فإن الإنجيل مثلاً يخبر الأعمى أن يسوع قادر على أن يرد له بصره ، و يبلغ المقعد أن يسوع يمكنه من المشي ، و أنه يحرر البشر من الذل و الفقر و الجشع و عبادة المال . إن العنصر الموحد في كل هذه التعابير هو عناية الرب لرد الضالين و المعزولين إلى الطريق التي تقودهم إلى ملكوته ، و هذه العناية هي جوهر الأحداث التاريخية المتمركزة حول حياة يسوع الناصري) .

 

لا شك بأن هذا الجسر بين الداعية و المدعو ـ بشكل عام سواءاً كانت إلى النصرانية أو إلى الإسلام ـ ينبغي أن يكون قائماً ، و أن يهتم الداعي بهموم المدعو ، و أن يبلغه بأن في إقباله على هذه الدعوة خلاصاً لكل مشاكله و آلامه ـ بغض النظر هنا عن أن النصرانية تعطي آمالاً خادعة و أن الإسلام يعطي آمالاً حقيقية ـ ، فنحن المسلمين نقول للمدعو إن في الإسلام توفيقاً و بركة و أن الله سيعينك على الخلاص من همومك و قضاياك ، فالله سبحانه و تعالى يقول : {وَ مَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجَاً * وَ يَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق : 2 – 3] ، و قوله : {اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر : 60] .

 

ثانياً : إن تفهم الواقع القائم في ذهن المسلم الذي يريدون تنصيره ، و  تفهم الظروف المحيطة به ، و تفهم التساؤلات المثارة في نفسه ، كل ذلك يجعل المنصر على وعي بالأساليب و الطرائق التي تختصر المسافات بينه و بين المدعو ، و تفتح الطريق إلى قلبه .

 

ثالثاً : و بناءاً على الفقرة الآنفة الذكر ، فإن شارلي ر. تيبر يطرح بعض الأسئلة التي تحتاج إلى جواب ، أسئلة قائمة في طريق المنصر و عليه أن يقدم لها الجواب و إلا كانت دعوته إلى التنصير محبطة من أول خطواتها . يقول في الصفحة 212 – 213 ما يلي : (و أستطيع فقط أن أذكر بعض الجوانب الخاصة بهذا الواقع في شكل أسئلة :

 

أ‌)       هل منزلة الإسلام كدين كتابي تعقد عملية الشهادة النصرانية أو تيسرها ، و بأية وسيلة ؟

ب‌)   كيف يمكننا الاستفادة من نظرة الإسلام تجاه وحدانية الرب و سموه ؟ كيف يتسنى لنا التغلب على قناعة المسلمين بأننا نؤمن بثلاثة آلهة ؟

ت‌)   كيف يمكننا الاستفادة من المكانة الجليلة التي يتمتع بها يسوع في الإسلام لنجعلها نقطة انطلاقنا لإقناع المسلمين بصحة ما يرويه الإنجيل عنه ؟ كيف يمكننا التغلب على النصوص القرآنية التي تكذب بعض الأجزاء المهمة من رؤية العهد الجديد ؟ هل يمكن أن نحدث الناس عن الحقيقة الواردة في المعنى الإنجيلي المجازي (ابن الرب) دون أن نستخدم التعبير ذاته لكي نتخطى سوء الفهم المتأصل في هذه العبارة ؟

ث‌)   هل يمكننا التغلب على نزعاتنا الرامية لتشويه المثل الإسلامية استناداً إلى ما نلاحظه من قصور في ممارسات المسلمين و نستفيد من التطابق الذي نجده بين المثل الإسلامية و المثل النصرانية ، و بذلك نتمكن من دعوة المسلمين للإيمان بيسوع المسيح ؟

ج‌)     هل نستطيع مساعدة الكنائس التي تحيط بها أغلبية إسلامية على التغلب على المشاعر التي تسودها كأقلية ؟ هل يمكننا العمل نحو مفهوم للتنصير لا يقود إلى اعتبار المتنصر خائناً لمجتمعه و ثقافته ، ما يؤدي إلى عزله تماماً ؟

ح‌)     ما الطرق البديلة لأساليب المواجهة في أقوالنا و كذلك الشعور بالانتصار ، تلك الأمور التي يلاحظها المسلمون كثيراً في مواقف النصارى ؟

 

ألسنا في حاجة ماسة لاستصلاح الأرض في مواقع التنصير قبل أن نبدأ الحرث و الزرع و الري ثم الحصاد ؟ أليس من المؤمل أن يكون أسلوب الحوار البناء و الاحترام المتبادل أكثر فائدة من الأساليب التقليدية ؟) .

 

و لنا بعد ذلك أن نعلق على هذه الآراء بما يلي :

 

  1. يعد الأسلوب بحق أسلوباً دعوياً ممتازاً ، إنه وعاء تستطيع أن تضع فيه ما شئت : نصرانية ، إسلام ، .. أي شئ ؛ إذ ينبغي على الداعية أن يتفهم ظروف المدعو و التساؤلات المثارة ثم يقدم على دعوته من خلال هذه النقاط المهمة .
  2. إن الأسئلة التي طرحها و التي تتطلب إجابة عليها هي أمور مستحيلة الحل ، و لن تستطيع النصرانية أن تجد لها جواباً عقلياً منطقياً يستطيع المسلم أن يفهمه ، كقضيتي (ثلاثة آلهة ـ ابن الرب) ، و هناك قضايا أخرى لا تقل شأناً عنهما من مثل (صلب المسيح و قتله) ، (القيام من الأموات) ، (الخطيئة) ، (الفداء) ، (الغفران الذي يقوم به القسيس) ؛ و ذلك لأن لكل قضية من هذه القضايا جوابها الشافي الواضح في المفهوم الإسلامي ، و المذكور في القرآن الكريم الذي يعتقد به المسلم كل الاعتقاد :
  • مفهوم التثليث : ينقضه مفهوم الوحدانية : {قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، اللهُ الصَمَدُ} [الصمد : 1 – 2] .
  • مفهوم “ابن الله” : ينقضه مفهوم ناصع في القرآن هو قوله تعالى : {لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ} [الصمد : 3] .
  • مفهوم “صلب المسيح و قتله” : ينقضه قوله تعالى : {وَ مَا قَتَلَوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَ لَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء : 157] .
  • مفهوم “الخطيئة” : ينقضه قوله تعالى عن آدم بعد أن أكل من الشجرة المحرمة : {قُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَ زَوْجُكَ الجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَدَاً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَالِمِينَ * فَأزَلَّهُمَا الشَيْطَانُ عَنْها فَأخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ، وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة : 35 – 37] . و قوله سبحانه و تعالى : {فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَّرَقِ الجَنَّةِ ، وَ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَ هَدَى} [طه : 120 – 122] .
  • مفهوم “الفداء” : ينقضه قوله تعالى : {وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى} [فاطر : 18] ، و قوله سبحانه : {وَ أن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلا مَا سَعَى * وَ أنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأوْفَى * وَ أنَّ إلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [النجم : 39 – 42] .
  • مفهوم “الغفران الذي يمنحه القساوسة” : ينقضه قوله تعالى : {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر : 53] ، فالتوبة مباشرة من العبد المذنب إلى الله الغفور الرحيم دون وسيط و لا وسيلة و لا صكوك غفران .

 

إن هذه المفاهيم الواضحة البسيطة في ذهن المسلم لن تستطيع النصرانية أن تتجاوزها لتدخل في ذهن المسلم أموراً معقدة لا يهضمها عقل و لا منطق ، اللهم إلا إذا أظهر أحدهم قناعته من أجل تحقيق مكاسب مادية أو طبية أو مؤقتة أو كانت بسبب جهله و أميته .

  1. محاولته الاستفادة من التطابق بين المثل الإسلامية و المثل النصرانية ، مما يعينهم على دعوة المسلمين للإيمان بيسوع المسيح .

نعم صحيح بأن هناك تطابقاً في بعض المثل ، و هذا أمر طبيعي لأنهما دينان كتابيان ، و لكن التطابق بينهما تطابق في الظاهر ؛ حيث نجد في كل منهما صوماً و صلاة و زكاة و حجاً ، لكننا لو تعمقنا في الدلالات و المقاصد لوجدنا بأن هناك اختلافات كبيرة بينهما في النية و الجوهر و الهدف .

و من ناحية أخرى فإنه يريد أن يستفيد من التطابق في هذه المثل من أجل الإيمان بيسوع المسيح .. و هل المسلم لا يؤمن بالمسيح و لا يحبه ، إن المسلم قطعاً يحب المسيح و يجله ، و لكنه يجله و يحبه و يؤمن به على أنه عبد الله و نبي الله و كلمة الله ألقاها إلى مريم ، لا على أنه ابن الله و شريكه في ملكوته و العياذ بالله .

  1. إن دعوته للتخلي عن (الشعور بالانتصار) ، تلك الملاحظة التي يلاحظها المسلمون كثيراً في سلوكيات النصارى تجاههم ، هي دعوة جريئة و قد سبق أن تناولناها في هذا البحث .
  2. أما دعوته إلى استصلاح الأرض في مواقع التنصير قبل البدء بالحرث و الزرع و الري و الحصاد ، هي دعوة علمية دقيقة ، و على الداعي المسلم أن يستفيد منها في عمله الدعوي .
  3. و قوله : (من المؤمل أن يكون أسلوب الحوار البناء و الاحترام المتبادل أكثر فائدة من الأساليب التقليدية) هو قول جميل و حضاري ، و الاعتقاد الأكيد بأن هذا الحوار إذا جرى في جو حيادي مائة بالمائة و دون أية ضغوط أو مناورات و دون الدخول إليه بروح عدوانية مسبقة ، فإن ذلك سيكون في صالح المسلمين ؛ لما يتمتعون به من وضوح منطقي في مفاهيم العقيدة ، و إن مراجعة لكتاب “إظهار الحق” لمؤلفه رحمة الله الهندي تثبت ذلك .

 

مما سبق نستدل على أن ثمَّة أموراً منطقية قيلت في هذا المؤتمر ، و من ذلك أنهم يسعَوْن إلى انتهاج طريقة جديدة في نقل النصرانية إلى المسلمين تقوم على مخاطبة المدعوين مخاطبة تتناسب مع عقولهم و بحسب اهتماماتهم ، و هو أسلوب دعوي جميل حري بدعاة المسلمين أن ينتهجوه انطلاقاً من قيمهم الدينية الإسلامية التي تؤكد على أن من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، و التي تدعو إلى تطبيق الأثر الوارد عن علي رضي الله عنه حيث يقول : “حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يُكَذَّبَ الله و رسوله؟” ، و قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : “ما أنت بمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة” .

 

عقبات و هموم أمام التنصير !! مطلوب تنصير 720 مليون مسلم

 

لقد حير الإسلام المنصرين ، و لقد حير المسلمون التنصير ، و لقد وقف عدد من المؤتمرين شاكين سوء طالعهم و مشقة مهمتهم و أن التنصير في بلاد المسلمين دونه عقبات و عراقيل .

 

و في هذه الزاوية سنجد تلك الإحباطات التي تعتريهم و التي يصرحون بعجزهم عن إمكانية تجاوزها ، إنهم يبذلون جهد طاقتهم و لكنهم يرون بأن الثمار أقل كثيراً مما ينبغي ، و أن المحصول لا يكاد يذكر أو يقارن بتلك الإمكانات الهائلة المبذولة ، و سوف نستعرض هذه العقبات و تلك الهموم من خلال موضوعاتهم التي طرحوها في مؤتمرهم :

 

أولاً : ديفيد أ. فريزر في موضوعه “تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين” في الصفحة 252 يورد اعترافاً صريحاً بأن أغلب الذين استجابوا للتنصير من المسلمين هم من أصحاب الإسلام الشعبي أي من العوام ، و المنصرون ـ بلا شك ـ لا يحرصون على هؤلاء العوام حرصهم على استقطاب المثقفين و أصحاب الثقل الاجتماعي في بيئاتهم الإسلامية ؛ إذ إن واحداً من أمثال هؤلاء الأخيرين يعادل عندهم آلافاً من أولئك العوام السذج ، يقول : (إن غالبية المسلمين الذين يحتمل أن يتنصروا هم من الذين يعتنقون ما يطلق عليه الإسلام الشعبي ـ أو إسلام العامة ـ ، و هم أرواحيون يؤمنون بالأرواح الشريرة و الجن و يعرفون القليل جداً عن الإسلام الأصيل ، كما يؤمن هؤلاء بدرجة كبيرة بالتعاويذ التي يعتقدون أنها تمدهم بالقوة لمواجهة شرور الحياة و تحدياتها) .

 

هذه هي الطبقة العامة ، و هم يعرفون كيف يستغلون سذاجة هؤلاء و بساطتهم ، و يعرفون كيف يدخلون إلى قلوبهم للتأثير عليهم ، فهو يتابع قائلاً : (و الباب الذي يمكن من خلاله التأثير على هؤلاء و تنصيرهم هو أن يقوم شخص بتقديم منافع دنيوية لهم مثل ممارسة العلاج الروحي و طرد الأرواح الشريرة) .

 

و يضرب مثلاً على ذلك إذ يقول متابعاً : (لقد سمعت أكثر من قصة مؤثرة عن تنصير أعداد كبيرة من المسلمين أكثر مما تم بواسطة طريقة الوعظ و على يدي قس قبطي لديه القدرة على العلاج الروحي و طرد الأرواح الشريرة) .

 

و يبين الزاوية المهمة في هذا الاتجاه و كيفية الاستفادة منها بقوله متابعاً : (إن النقطة المهمة في هذا التحول بالنسبة للمسلمين هي البركة و القوى التي يظهرها المنصر) .

 

إنه يعد هذه الخطوة مجرد خطوة مبدئية لجر رجل المسلم العامي نحو التنصير ، ثم تأتي الخطوات التالية فيقول : (أما فهم حقائق الكتاب المقدس الأساسية فهي مرحلة تأتي بعد أن يواجهه المسيح بالأدلة القاطعة على أنه رب عظيم ، فكل الذي يعلمه الناس ساعة التحول هو أن المسيح قوي بما فيه الكفاية لحل مشكلاتهم) .

 

صحيح أنهم يشعرون بهموم نتيجة عدم الإقبال على التنصير ، و أن معظم الذين يقبلون ليسوا إلا من هذه الطبقة الشعبية الساذجة ، إلا أنهم في الوقت ذاته لا يهملونهم و لا يفقدون الأمل في تنصيرهم ، بل يعمدون إلى هؤلاء و يجدون السبل التي توصلهم إليهم . و لا شك بأن واجبنا نحن المسلمين كبير جداً في محاولة الوصول إلى هؤلاء و تنوير عقولهم و قلوبهم بنور الإيمان ، و تبصيرهم بحقائق الإسلام الجليلة و محاربته للبدع و الخرافات و الأضاليل حتى نحصنهم أمام الغزو التنصيري الذي لن يهملهم على الرغم من انزعاجه من أنه لا يجد أمامه سواهم .

 

ثانياً : د. ماكس كيرشو في موضوعه “مقارنة بين وضع النصرانية و الإسلام في الغرب” و في الصفحة 338 يورد كلاماً مفاده بأنه يشعر بعجز عن تنصير حتى أولئك المتفلتين من دينهم و الذين يعيشون في الغرب و يرى بأنهم يستعصون على التنصير .. إذ يقول : (و عليه فإنه ليس غريباً أن ترى نسبة عالية من المسلمين لا يمارسون بنشاط شعائر عقيدتهم أثناء وجودهم في الغرب ، و مع ذلك فإن عدد الذين يتحولون عن الإسلام لا يعدو أن يكون رمزياً فقط) .

 

صحيح أن هؤلاء منغمسون في ملذاتهم و ملاهيهم لكن في أعماقهم إيماناً سرعان ما يطفو على السطح و تزول عنه تلك القشرة الرقيقة و بخاصة النصرانية ، إذ يتنبه فيه الضمير الداخلي و تستيقظ الفطرة رافضةً و بشكل قطعي أي تحويل عن المعتقد المستكن في داخل الذات ، و ليجرب أي نصراني أن يشتم أو يستهزئ بالإسلام أو بالمسلمين أمام أي واحد من هؤلاء المتفلتين ، سيجده قد استفِزَّ و استأسد و استنفر كامل مكنونه يريد أن يبطش بهذا المستهزئ ، إذ كيف يجرؤ على أن ينال من شئ له قداسته في نفسه ، حتى و لو كان هو ذاته غارقاً في ذنوبه و آثامه و معاصيه ، إذ إن هذا شئ و ذلك شئ آخر .

 

ثالثاً : و يتابع الدكتور ماكس كيرشو في ختام موضوعه الآنف الذكر قائلاً في الصفحة 340 : (نحن في اتحاد الطلاب الدوليين يسرنا أن نعمل متعاونين مع أي من شعوب الرب ، أي مع الكنائس المحلية و الطوائف المختلفة و الوكالات الأخرى لمواجهة التحدي الإسلامي في العالم الغربي) .

 

نعم هكذا يظهرون في منتهى الضعف و العجز ، و أنهم قد أعلنوا بهذا عن تهاويهم أمام عظمة الإسلام ، و أنهم مستعدون للتعاون “مع أي من شعوب الرب” ، مستعدون للتعاون حتى مع إبليس .. لماذا ؟ فقط لكي يستطيعوا التغلب على التحدي المعجز الذي يواجههم به الإسلام في العالم الغربي ، فما بالك بما يواجههم به الإسلام في العالم الإسلامي و العربي ؟! .. إنهم على كل حال لن يجدوا هذا الذي إن تحالفوا معه سيعينهم على التغلب و الفوز في هذا التحدي ؛ ذلك لأن الله واقف لهم بالمرصاد {وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال : 30] .

 

رابعاً : في محاضرة لجيرالد و. سوانك عنوانها “مقارنة بين وضع النصرانية و الإسلام في وسط و جنوب إفريقيا” في الصفحة 349 يبين فيها بأنهم استطاعوا أن يوقفوا زحف الإسلام في كثير من مناطق العالم لكنه يشكو من المعدل البطئ لازدياد تقدم النصرانية ؛ إذ يقول : (و قد ظل هذا الخطر الإسلامي يتقدم جنوباً بشكل مضطرد و منذ القرن السادس الميلادي تأثر العمل النصراني في كافة أرجاء المنطقة الوسطى و الجنوبية من إفريقيا ، و النصرانية تحقق الآن نجاحاً في التنصير في وسط أصحاب الديانات التقليدية بصورة أكبر من الإسلام ، أما الإسلام فهو مستمر في الازدياد نتيجة لكثافة النمو السكاني ، و لكن النصرانية تزداد بصورة أسرع و بمعدل أكثر من 6% في السنة) .

 

لهذا نراهم يروجون لفكرة تحديد النسل بين المسلمين كي يوقفوا هذا النمو السكاني الكثيف الذي لا يستطيعون مجاراته ، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى تراهم يحثون الخطى كي يبقوا على هذا التفوق في التنصير و هو 6% إن صح زعمهم ، و ذلك قبل أن يستيقظ هذا المارد الذي يخافون من أن يكتسحهم و يجعل عملهم التنصيري لا يتجاوز الأجزاء العشرية من الواحد بالمائة .

 

خامساً : قمة الإحباط تجده في التقرير الذي قدمه كريكوري م. لفنكستون في موضوعه “مقارنة بين وضع النصرانية و الإسلام في شمال إفريقيا” ، و ذلك في الصفحة 387 ، حيث جاء في بعض التعقيبات على محاضرته ما يلي : (إحصائيات مدمرة) ، و تعقيب آخر يقول صاحبه : (قرأت ذلك و الأسف يملأ نفسي ، ماذا كان يفعل الفرنسيون و الإيطاليون عندما كانوا هناك ؟) ، و يقول تعليق آخر : (إن الصورة التي رسمها الأب لفنكستون للنصرانية في شمال إفريقيا هي صورة كئيبة بالتأكيد) .

 

و العجيب هنا أنهم يستنكرون على الاستعمار الذي جثم على صدر شمال إفريقيا المسلمة ردحاً من الزمن أنه لم يفعل شيئاً يستحق الذكر في عملهم التنصيري ، و هذا يعني ـ كما يقولون ـ أن الاستعمار إنما جاء إلى هذه البلاد من أجل التنصير ، و التنصير فحسب ، فماذا عمل الاستعمار في هذا المجال ؟!

 

سادساً : و في موضوع “مقارنة بين وضع النصرانية و الإسلام في جنوب شرق آسيا” الذي أعده كل من فرانك كولي ، و بيتر ج. كونك ، و ألكس ج. سميث ، و ورن مايرز ، فقد جاء في الصفحة 942 ما يلي عن التنصير في تايلاند : (خلال السنوات الخمس الأخيرة تم تعميد 28 مسلماً تايلاندياً ، و من هؤلاء رجع اثنان إلى الإسلام ، و ستة ابتعدوا عن الطريق الصحيح و عن الكنيسة ، و بقي عشرون آخرون في عضوية الكنيسة ، مع وجود عشرين آخرين من الموالين المهتمين و الذين يجتمعون معاً في مجموعات ثلاث كنسية للمؤمنين الملاويين ، و من الملاحظ أن المسلمين الذين أبدوا استجابة أكثر كانوا من الذين تم الاتصال بهم من خلال العيادات الطبية لمعالجة الجذام) .

 

لن نتحدث عن الملاحظة الأخيرة و هي أن أكثر الذين تم الاتصال بهم كان عن طريق عيادات معالجة الجذام إذ سبق الحديث عن ذلك في فصل “الخدمات و التنصير” ، و ماذا يتوقع من إنسان مصاب بالجذام يأتيه شخص يحمل له الدواء و العلاج و الأمل بالشفاء بيد و في اليد الأخرى يلوح له بالإنجيل و الدخول في النصرانية ، ألن يستجيب ؟ لا شك بأن الجواب سيكون بالإيجاب ، خاصةً و أن معظم هؤلاء من البسطاء و العوام ، فضلاً عن شعورهم بأن مجتمعهم يرفضهم لإصابتهم بالجذام ، و المنصرون يرحبون بهم و يفتحون لهم صدورهم حباً و حناناً ـ ظاهرياً ـ ، لذا فإنهم سيقبلون بلا شك و لا ريب ، لكنهم بعد عودتهم إلى الحياة الطبيعية من المؤكد أن بعضهم سيتراجع عما أقدم عليه خاصة إذا علم بأن القضية قضية كفر و إيمان .

 

لكن الذي يهمنا في هذا الباب أنهم على الرغم من إمكاناتهم الهائلة فإنهم لم يصلوا إلا إلى تنصير هذا العدد الضئيل في هذا المكان ، إنها لنتيجة بئيسة بالنسبة إليهم ، فلو كان هناك شخص يسخر كل هذه الإمكانات من أجل استقطاب بعض الأتباع و الأزلام و تكوين عصابة للخطف و السلب و النهب لتجمع له عدد أكبر بكثير من هذا العدد البئيس المتواضع .

 

و يلاحظ كذلك بأن ستة من أصل ثمانية و عشرين شخصاً قد ابتعدوا عن الكنيسة ، و هذا يدل على أن التنصير غير منطلق السهم أو كالنار في الهشيم كما يصور لنا في بعض المجلات و المقالات ذات اللهجة الإنشائية ؛ ذلك لأن أمام التنصير عقبات و عقبات ، فلربما استقطب الكثيرين اليوم ، لكنه لن يلبث إلا و يجد بأن هذا الكثير قد تخلى عنه لمجرد وجود داعية مسلم ينفخ في النار الخابية فيوقظ المشاعر الكامنة و يعرف هؤلاء الذين تنصروا حقيقة الأمر الذي هم مقدمون عليه و عرى لهم الحقائق و فصلها و أوضح خطورتها على أنفسهم في دينهم و دنياهم و آخرتهم .

 

سابعاً : و من همومهم و عقباتهم تلك ما جاء في موضوع “الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين” الذي أعده فريد د. أكورود ، إذ يقول في الصفحة 570 منه : (أيها الإخوة ، لندع التنافس جانباً ؛ ذلك أن المهمة التي تنتظرنا ضخمة و الزمن جد ضيق و لا يتحمل هذه المواقف ، ماذا أستطيع أن أفعل لأساعدك ، و ماذا تستطيع أن تفعل لمساعدتي ؟ و كيف يمكننا أن نقوم بحرث الأرض لكي نؤدي مهمتنا ؟) . و إن جورج بيترز يقول كذلك في موضوعه “نظرة شاملة على إرساليات التنصير العاملة وسط المسلمين” في الصفحة 598 ما يلي : (احذروا الخلاف و المواقف العدائية و التعالي في النقد) .

 

فبادئ ذي بدء إنهم يشعرون بالهموم الثقيلة الملقاة على كاهلهم ؛ لذا فعليهم أن يتخلوا عن كل خلاف فيما بينهم و أن تتضافر جهودهم على اختلاف مللهم و نحلهم من أصحاب طبيعة واحدة و مشيئة واحدة إلى أصحاب طبيعتين و مشيئتين ، من كاثوليك إلى بروتستانت إلى أرثوذكس ، من كنائس شرقية إلى كنائس غربية ، ينسون جميع الخلافات و الانقسامات ، و ينسون التصفيات الدموية فيما بينهم لتأتلف صفوفهم تجاه المسلمين .

 

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل انتهى المنصرون الذين يحملون إلينا وداعة الحمل و طهر الحمام ؟ هل انتهوا من جميع مشكلات الإنسانية الجائعة المتصارعة المتحاربة و لم يبق أمامهم من مهام سوى إدخال المسلمين في نصرانيتهم المنحرفة ؟ ليتهم وفروا هذه الجهود لهاتيك المعالي و تركوا المسلمين في روحانيتهم و يقينهم و اطمئنانهم ، لاستراحوا و أراحوا ، و لاستفادوا و أفادوا .

 

و ليت المسلمين أدركوا ما وراء سطور هذه العبارة : (لندع التنافس جانباً ؛ ذلك أن المهمة التي تنتظرنا ضخمة و الزمن جد ضيق) ، ليت المسلمين تركوا التنافس و الخلاف فيما بينهم و نظروا إلى المهمة التي عجزت عن حملها السموات و الأرض و حملها الإنسان ، مهمة تبليغ دين الله إلى كل إنسان على وجه البسيطة ، إنها لمهمة عالية ، و إنه لخلاف كبير بينهم ، و إن مسيرتهم إلى تحقيق هذه المهمة تبدأ من لحظة تخليهم عن تلك الخلافات و المهاترات و الخصومات .

 

هكذا يود المنصرون أن يتفقوا على باطلهم و نحن نختلف على حقنا ، و الله المستعان ، و لكن أكثر الناس لا يعلمون .

 

ثامناً : في التعقيب على المحاضرة السابقة “الإرسال الإذاعي الحالي الموجه إلى المسلمين” جاء في الصفحة 575 قول أحدهم : (و هنالك قارئ تشكك في جدوى ملايين الدولارات التي تنفق في الجهود الإذاعية في الوقت الذي تتلقى فيه كل المحطات الإذاعية التي استطلعت 600 رسالة فقط شهرياً أو ربما أقل من ذلك) .

 

إنهم يشكون من عدم الاستجابة لهم بالحجم المكافئ و المعادل لملايين الدولارات التي ينفقونها ، إنه هاجس يقلق بالهم و يشغلهم ، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْوَاهِهِمْ وَ اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} [الصف : 8] .. فدين الله محفوظ و باقٍ ، و هو محفوظ ليس بجهودنا و إخلاصنا و عملنا ، بل بحفظ الله و رعايته ، و لو كان أمر هذا الدين موكولاً لجهودنا البشرية ـ نحن المسلمين الحاليين ـ لأصبح الإسلام في مصاف الأديان و المعتقدات بالعمل الدؤوب لنشره و تبليغه ، عسى أن ننجح في ذلك كما نجح أسلافنا من قبل .

 

حقيقةً إن المتأمل اليوم ليتعجب من أمر هذا الدين الذي طبق الآفاق ، و الذي يعتنقه كل يوم خلق كثير ، و تدافع عنه شعوب و أمم تسكن أقصى الأرض .. إن المرء ليتعجب إذ كيف يتم ذلك مقارنةً بالجهود البسيطة التي يبذلها المسلمون لنشر دينهم . إن ميزانية باخرة واحدة للتنصير راسية قريباً من أحد شواطئ بلاد المسلمين ليعدل ميزانية رابطة العالم الإسلامي عدة مرات ، هذه باخرة ، فما بالك بالطائرات و المطارات و الإذاعات و المبشرين الذين يكلفون التنصير باهظ التكاليف في شتى بقاع الأرض ؟!

 

ينبغي أن لا يخفى على الأذهان أنه يجب علينا أن لا نغرق في بحر من الخدر اللذيذ و نتراخى و نقول إن دين الله ماضٍ على الرغم من تقاعسنا و كسلنا ؛ إن المسلمين إذا استمروا في غفلتهم هذه فإن الله سيستبدل بهم قوماً آخرين يحبهم و يحبونه ، يمضون في نشر دينه ، إن الدين يحتاج إلى وسائل بشرية مادية لنشره ؛ ذلك لأن عهد النبوة و الأنبياء قد انتهى ، و عهد المعجزات قد انقضى ـ إلا أن يشاء الله ـ ، و قد امتُحِن المسلمون بمهمة نشر الإسلام و الدعوة إليه و حمله إلى العالمين .

 

إنهم قد استلموا 600 رسالة فقط في كل شهر ، و هم يستصغرون هذا الرقم و يريدون أرقاماً أعلى . صحيح أن هذا الرقم قليل في نظرهم ، لكن الذي نراه ـ نحن المسلمين ـ بأن تنصير مسلم واحد فقط إنما هو أمر كبير و كبير جداً عند الله ، و إننا لحريصون على أن لا يستجيب لهم حتى و لا طفل واحد ؛ لأن ردة مسلم واحد عن دينه و تنصره يحز في نفوسنا و يقرع ضمائرنا ، و يصمنا بعدم الوفاء لإخواننا ، و إن أبا بكر رضي الله عنه قرر أن يقاتل المرتدين على “عِقال” كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فكيف لا نقف أمام زحفهم و نحن نشاهد أبناء جلدتنا يدخل بعضهم يوماً بعد يوم في ردة منظمة مغرية ، كيف لا نتأثر ؟ و كيف لا نتحرك ؟

 

تاسعاً : و من العقبات و الهموم التي تؤرقهم أنهم محتارون في الوصول إلى فهم يحدد لهم سبب امتناع المسلمين عن قبول دينهم ، و على الرغم من أنهم قد استطاعوا أن يقنعوا اليهود في قبولهم و قبول دينهم بعد أن قاوموا إغراءهم مدة طويلة . إن بعض اليهود قد سقطت مقاومتهم و تهاوت و قبلوا أن يكونوا “يهوداً مكتملين” ، أي أنهم قد أكملوا دينهم اليهودي بالدين النصراني و قبلوا بالمسيح مخلصاً و رباً لهم ، و لكن المسلمين لم تسقط مقاومتهم على غرار ما فعله اليهود ، هنا يكمن العجب و التساؤل المحير ، فقد جاء في بحث “تطوير وسائل جديدة لتساعد في تنصير المسلمين” لدونالد ر. ريكاردز في الصفحة 643 في الفقرة التي تحت عنوان “المقاومة الثقافية في مواجهة المقاومة اللاهوتية” ، إذ يقول : (هل من الممكن أن يكون السبب الأساسي في عدم تنصير المسلمين على نطاق واسع سبباً ثقافياً و ليس لاهوتياً ؟ .. هل من المعقول أن نكون قد نقلنا للمسلم أثناء دعوتنا المخلصة للكتاب المقدس بأنه إذا قبل تلك الرسالة فعليه أن يلتحق بثقافتنا أو يترك ثقافته الخاصة على الأقل ؟) .

 

إنها الحيرة و التخبط و الضرب في التيه ، فليس هذا هو السبب ، و ليس ذلك هو السبب ، بل السبب أنهم يمشون عكس التيار ، الإسلام دين الحق الجارف ، و هم يريدون أن يقفوا أمام هذا التيار ، لكنهم عاجزون و متخبطون ، و لا حول و لا قوة لهم ، {وَ مَنْ أعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً} [طه : 124] .

 

عاشراً : أحد المعلقين على محاضرة آرثر ف. كلاسر و التي عنوانها “صراع القوى في عملية تنصير المسلمين” ، قال في الصفحة 198 ما يلي : (فإنه أثار العديد من التساؤلات فيما يتعلق بأسباب نجاح التنصير في أجزاء كثيرة من العالم و فشله في البلدان المسلمة) .

 

إنه لأمر محير جداً بالنسبة لهم ، و إنهم لفي اضطرابهم يترددون ، و لكن بالنسبة لنا نحن المسلمين فإن المشكلة محلولة و بسيطة ؛ ذلك لأن نقل إنسان من العمى و الضلالة و الوثنية إلى شئ اسمه دين إنما هو أمر بسيط و مقبول ، لكن نقل إنسان من الدين الواضح الجلي إلى دين ملئ بالمغالطات إنما هو أمر في غاية الصعوبة و التعقيد ، إن نقل إنسان من الوثنية أو الهمجية أو اللادينية إلى النصرانية لهو أمر معقول مقبول ، لكن إركاس مسلم و نقله من وضوح إسلامه و إشراقه إلى عتمة التثليث و غموض مدلولاتها لهو شئ غير مستساغ إلا إذا صحب ذلك بعض العوامل المساعدة كالجهل أو الحاجة أو الإغراءات المختلفة .

 

حادي عشر : إن مقولة لآرثر كلاسر هذا أوردها في موضوعه الآنف الذكر ، و هي قوله : (إن التصريحات التي كان يطلقها المنصرون الأوائل مثل زويمر كافية لأن تخلق رد فعل لدى المسلم حتى يستعصي على التنصير) .

 

إنهم يريدون أن يخرجوا من جلدهم حتى يظهروا في صورة وضيئة مقبولة من قبل المسلمين ، يريدون أن ينخلعوا من تلك التصريحات التي وصمهم بها اليهودي زويمر الذي لبس لباس المسيح و قام يسعى في نشر التنصير و لكن على طريقة في غاية التنفير ، إنه في تصريحاته تلك يؤكد على أن مهمة المنصرين ليست في نقل المسلم من دينه إلى النصرانية فهذا تكريم و تشريف له ، و لكن مهمة المنصر تنحصر في نقل المسلم من دينه و زعزعته و تركه بلا دين يعيش للشهوات و يأكل للشهوات و يحتل أعلى المناصب من أجل الشهوة ، فأي مسلم ، مهما بلغت مهانته من نفسه ، لن يرضى هذا المصير بأن يترك كنزه العظيم لا ليصبح نصرانياً له مكانته و قيمته في نظر القساوسة و الرهبان ، بل ليبقى هكذا معلقاً في الهواء ، لا ينبغي له أن يرتدي ثوب السادة المنصرين و لا أن يعتنق دينهم ، فهم السادة و هو العبد الذي لا هوية له و لا عمل له إلا الجري وراء الملذات كالبهيمة أو السائمة .

 

ثاني عشر : من موضوع “نظرة شاملة على إرساليات التنصير العاملة وسط المسلمين” ، فإن المحاضر جورج بيترز يقول في الصفحة 594 ما يلي : (كانت المسألة التي شغلت الأذهان ردحاً من الزمن هي مكانة الإسلام في تاريخ الأديان ، فالإسلام على أية حال هو الدين الوحيد الذي جاء بعد النصرانية . لماذا ظهر الإسلام ؟ و ما الأسباب التي كانت وراء ظهوره ؟ ما العوامل المحركة له و المؤثرة فيه ؟ كيف نفسر عناده غير العادي و عداءه الجاد للنصرانية ؟) .

 

و يلاحظ هنا شدة الانفعال و الحيرة ، و لكن سبب ذلك أنه يعد الإسلام ديناً كباقي الأديان ، و يساويه باليهودية و البوذية و الكونفوشيوسية و الطاوية .. و ما إلى ذلك مما يسمى ديناً في عرف البشر ، فإن النصرانية قد استطاعت اختراق جدر هذه الأديان و النفاذ إليها ، فما بال الإسلام يقف أمامهم حجر عثرة يحبط خططهم و جهودهم ؟!!!

 

هذا هو منبع الشقاء و العناء ؛ ذلك لأن هذه النظرة خطأ من أساسها ، فصحيح بأن الإسلام دين ، و لكنه دين يختلف عن باقي الأديان ، يختلف عنها بمقدار الحق الهائل الذي يمتلكه ، فضلاً عن المقدار الهائل من الباطل الموجود في باقي الأديان ، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى لأنه الدين التام {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينَاً} [المائدة : 3] .. و لأنه الدين الخاتم ، و لأنه الدين المهيمن على الأديان السابقة كلها {وَ أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَ مُهَيْمِنَاً عَلَيْهِ} [المائدة : 48] .

 

عندما يدرك المنصر جورج بيترز ذلك فسوف يزول عجبه و يعود إليه هدوؤه و بعد نظره ، و يعرف عند ذلك الأسباب و العوامل التي حيرته و يعرف عناد الإسلام غير العادي ، و إن كنا لا نرضى أن ننسب إلى الإسلام العناد لأنها صفة ذميمة ، بل نسميها نحن المسلمين صموداً غير عادي و شموخاً غير عادي ، و إن كان في الحقيقة هو صمود و شموخ عادي و طبيعي لأنه صمود و شموخ نابع من إدراك المسلم للحق الكامن في إسلامه ، و يستطيع جورج أن يعرف كذلك سبب عداء المسلم الجاد للنصرانية على حد قوله ، فنحن المسلمين لا نعادي النصرانية و غيرها من الأديان إلا بما فيها من انحراف و تحريف ، و ليت المحاضر أدرك أنه لن يجد ديناً احترم و مازال يحترم النصرانية كما احترمها الإسلام و رعاها ؛ إذ إنه اعتبر النصارى أصحاب كتاب و عاملهم على أنهم كتابيون ، بل و قدرهم تقديراً فاق تقديره لليهود و اليهودية ، إذ قال سبحانه و تعالى : {لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ، وَ لَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُم مَّوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَانَاً وَ أنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَ إذَا سَمِعُوا مَا أنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ ، يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَ مَا لَنَا لا نُؤْمِنُ باللهِ وَ مَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَ نَطْمَعُ أن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ} [المائدة : 82 – 85] .

 

فالمسلمون لا يعادون النصرانية على النحو الوارد في تصور جورج بيترز ، لكنهم يطمحون إلى إسداء الهداية إلى النصارى ليرجعوا إلى الدين الحق ، إلى دين الفطرة ، إلى الإسلام الذي هو مَوْئِل الأديان السماوية و مرجعها و المهيمن عليها .

 

ثالث عشر : خروجاً من هذه الهموم و هاتيك العقبات فإنهم يدعون إلى حشد الطاقات و الإمكانات و بذل كل الجهود و وضع الغالي و الرخيص من أجل كسر حاجز الصمود و الثبات .

 

تقول فيفيان سيتسي في موضوعها “مستويات و أشكال و مواقع البرامج التدريبية” في الصفحة 670 ما يلي : (لقد عقد معهد اللاهوت في كراتشي في باكستان دورته الأولى في فبراير من هذا العام (أي 1978م) للباكستانيين الذاهبين إلى مناطق الخليج ، و يقوم معهد تدريب المنصرين الهندي في ناسك بالهند بتدريب الهنود على العمل التنصيري في الخارج) .

 

و قد جاء في التعقيبات في الصفحة 674 ما يلي : (إن التحدي المتعلق برفع عدد المنصرين المدربين تدريباً متخصصاً في العالم الإسلامي إلى 1000 شخص ، و إلى 9000 شخص من المدنيين للعمل في العالم يجب أن يؤخذ مأخذ الجد) .

 

هذه الملاحظات و هذه الإشارات ذات الدلالات الرقمية حول عدد المنصرين هنا و هناك ، و حول إمكاناتهم هنا و هناك ، و لعل بعض الأرقام و بعض الإحصائيات الأخرى تفوق الأرقام الآنفة الذكر ، فهي كلها تؤكد بصورة قاطعة أنهم يبذلون جهد الطاقة من أجل تعقب المسلمين و محاصرتهم في كل قطر من أقطارهم ، و ليت قومي يعلمون بما يدبر لهم و بما يحاك و يخطط من أجل اقتناصهم و غزوهم في دينهم ، و الدين هو أسمى و أغلى ما يملكه الإنسان ، هو أغلى من النفس و من الولد و من الأهل و من الأرض و من الوطن ، إنه الكنز الثمين الذي يبذل دونه كل غال و يفدى بكل نفيس .

 

هجوم و أخطاء ضد الإسلام

 

لئن كان صموئيل زويمر قد وقع في الماضي فيما وقع فيه من أخطاء اكتشفها المنصرون الآن داعين إلى التخلي عما يماثلها من عبارات قد تجر على التنصير آثاراً سلبية قد تمتد مئات من السنين ، فما بال المنصرين المؤتمرين في كولورادو يقعون في الخطأ ذاته من جديد ؛ إذ لم يخلُ المؤتمر من عبارات هجومية قيلت ضد الإسلام و أهله ، و من أخطاء تدل على نقص في الفهم و الاطلاع ، و لئن جاز لنا أن نسامحهم في الأخطاء التي صدرت عن غير قصد فكيف نستطيع تقبل هجومهم المتعمد المقصود .

 

إنها الروح النصرانية العدائية الواحدة سواءاً كانت من عهد زويمر أو من عهد مؤتمر كولورادو ، و على الرغم من تباعد السنين و ازدياد الوعي و التحصيل ، إنها الروح العدائية للإسلام و أهله و لو تلونت بألوان من الشفافية و الرحمة و الرأفة ، و ارتدت لبوس البحث العلمي من أجل الوصول إلى الحقيقة المجردة ، و من أمثلة ذلك ما يلي :

 

القس كينث كراج في بحثه “اللاهوت الإسلامي : الحدود و الجسور” ، يقول في الصفحة 289 ما يلي : (إن حركة التنصير إجمالاً مهتمة بقضية فهم الناس للأسس التي يقوم عليها اعتقاد النصارى بالرب ، و فحوى هذا الاعتقاد مجمل في معنى و رسالة و جروح و صلب يسوع الذي هو المسيح المخلص ، و مما لا طائل وراءه أن تستخدم هذه المضامين النصرانية الرائعة إن لم تكن عن حق متعلقة بالله رب المسلمين ، و المسألة الملحة هي أن هذه المفاهيم النصرانية لم تفهم بعد على أنها ترتبط به ، و هذا ما يجعل التنصير أمراً ملحاً) .

 

و يقول كذلك في الصفحة 289 ذاتها : (فالإنسان مخلوق أدنى من الرب ، و هو عبد للسلطة الإلهية و خليفته و مندوب في مواجهة الطبيعة) .

 

و من ثم فإن هذا القس الذي اشتهر بروحه العدائية ضد الإسلام و المسلمين يعمد إلى استخراج المفاهيم الإسلامية و إسباغ المفاهيم النصرانية عليها ، من مثل قصة عيسى عليه السلام في القرآن ، و قصة الخطيئة الأولى و الخلاص و المعاناة ، و كل نفس مسئولة عن وزرها . و إن عمله في كل ذلك لا يختلف عن عمل أي قسيس يأتي إلى القرآن ليفسره بلسان نصراني و مفهوم كنسي و ثني .

 

ما هكذا تورد الإبل يا كينث !! إن الأسس المعتمدة في التفسير مختلفة فيما بيننا و بينكم ، و إن المنطلقات متفاوتة ، فكيف يحلو لك أن يركب رأس ثور على جسد غزال ، و تكسو الحمام جلود الضباع ، ما هكذا تورد الأمور يا كينث كراج .

 

عبارته (الإنسان مخلوق أدنى من الرب) غير مقبولة أصلاً و فصلاً ؛ لأن كلمة (أدنى) اسم تفضيل ، و اسم التفضيل يفيد بأن شيئين قد اشتركا في أمر و زاد أحدهما على الآخر في هذا الأمر ، قول (الفيل أضخم من الجمل) لأن كلاً من الحيوانين الفيل و الجمل قد اشتركا في الضخامة ، و زاد الفيل عن الجمل في هذه الصفة ، و لا يجوز مطلقاً أن نقول : (الفيل أضخم من النملة) .

 

إن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ} [الشورى : 11] قوةً و عظمةً و ألوهيةً و سمواً ، و الإنسان أصغر من هباءة في مجاهل هذا الكون الفسيح غير المتناهي ، فكيف يصح أن تستخدم عبارة (أدنى) ، لعلها في الفكر النصراني مقبولة لأن الرب يعني “عيسى” ، و عيسى بشر ، و هم بشر ، و هو متميز عليهم بأشياء ، فهم أدنى منه ، و لكن شتان شتان بين “ربوبية عيسى” ـ و عيسى عليه السلام برئ من ذلك ـ و بين ربوبية رب العالمين .

 

إن الإسلام قد حدد كل المفاهيم و نقاها و أوصلها إلى العقل الإنساني بشكل مقبول منطقي ، و لن يستطيع كينث كراج أن يأتي الآن بثوب من الشفافية ليغير هذه المفاهيم و ليلوي أعناق النصوص حتى تنسجم مع فكره الوثني النصراني .

 

إنه يقول : (إنها متعلقة بالله رب المسلمين) ، و هذه سقطة وثنية أخرى ؛ إذ إنه في الحس الوثني هناك إله خاص بالنصارى ، و آخر مختص باليهود ، و ثالث مختص بالمسلمين ، و هناك إله للحرب ، و إله للحب ،  آلهة و آلهة ، و لكنه في الحس الإسلامي ليس ثمة آلهة سوى الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي عَنَت له الوجوه سبحانه لا شريك له .

 

و مثل ذلك أورده جورج بيترز في موضوعه “نظرة شاملة على إرساليات التنصير العاملة وسط المسلمين” ، إذ يقول في الصفحة 598 ما يلي : (إن الإله الموجود فينا أعظم من الإله الموجود في العالم ، و أعظم حتى من الإله الذي يتحدث عنه الدين الإسلامي) .

 

إنهم آلهة إذن ، إنه مفهوم غريب للإله يصدر من قبل رجل نصراني كتابي من أصحاب الديانات السماوية ، لكن تلك الغرابة تزول عندما نعرف مقدار التحريف الذي دخل النصرانية عبر تاريخها الطويل .

 

و قوله كذلك : (الإنسان مخلوق و مندوب في مواجهة الطبيعة) ، فأية طبيعة تلك التي سيواجهها الإنسان المخلوق الضعيف ، إنه في حس المسلم لا يوجد مواجهة و مجابهة و قهر ، بل إن الطبيعة مسخرة لخدمة الإنسان ، فهو يستعمرها بما ينفعه و يحميه و يعينه على تطوره ، يقول تبارك و تعالى : {وَ إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة : 30] ، و يقول سبحانه : {هُوَ أنشَأكُم مِّنَ الأرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود : 61] ، و يقول جل ثناؤه : {وَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعَاً مِّنْهُ} [الجاثية : 13] ، فالإنسان خليفة الله في أرضه ، و الأرض و السموات مسخرة لهذا الإنسان ، و هو الذي يستعمرها و يبنيها بما ينفعه في دنياه و آخرته .

 

كلمات حق

 

مما لا شك فيه أنه من الجناية بمكان أن نتصور بأن جميع المؤتمرين لم يتفوهوا بكلمة حق واحدة في هذا اللقاء . إنهم قد ذكروا بعض الجوانب المنصفة للإسلام و أهله ، و هذا راجع لأمرين :

 

  1. لأن بعض هؤلاء تهمه الحقيقة العلمية ، فهو يسعى إليها و لو صادمت معتقده و هدفه .
  2. لأن الإسلام فيه من الجوانب اليقينية الثابتة المشرقة ما يجعل أساطين الكفر يقرون بها معترفين ، و إن مثل هذه الشهادات كثيرة جداً في تاريخ الإسلام .

 

و من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم كثيراً من العبارات التي وردت و التي تنم في جملتها عن إنصاف و اتزان ، و من ذلك :

 

أولاً : شارلي ر. تيبر في موضوعه عن “الظرفية” يقول في الصفحة 211 ما يلي : (إن مظاهر النعرات العرقية و القومية قد جعلت النصارى الغربيين يحتقرون الثقافة الإسلامية متجاهلين أن الثقافة الغربية مدينة للثقافة الإسلامية التي تمكن علماؤها من حفظ تراث العصور القديمة و ترجمته للأجيال المتعاقبة ، بالإضافة إلى إسهامات المسلمين الأصلية في الرياضيات و العلوم) .

 

إنها لشهادة طيبة ، صحيح أنها ليست بجديدة ، إذ تكلم عنها كثيرون و أقرها كثيرون ، و لكن طرحها في هذا المؤتمر المنعقد خصيصاً لتنصير المسلمين و بهذا الأسلوب إنما هو أمر جدير بالثناء و التقدير ، و من جميل القول أن نذكر بأن زيغريد هونكه العالمة الألمانية قد ذكرت ذلك كثيراً و أكدته في كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب” ، و هي شهادة أدخلت السرور على قلوب المسلمين ، على الرغم من أنها شهادة عرجاء ، إذ جعلت تلك الشمس شمساً للعرب ، في حين أن هذا المنصر قد جعلها في هذا المؤتمر شمساً للمسلمين ، و هذا هو الصواب .

 

إن هذه الإشارات تكون عظيمة عندما تصدر من مسلم يخاطب بها مسلماً ، و من مسلم يخاطب بها غير مسلم ، و من مسلم يخاطب بها إنساناً غربياً حتى يعرفه بجذوره و أساس حضارته ، و لكن الأمر يكون أعظم عندما ينطق بها غربي نصراني مخاطباً الغربيين النصارى من أبناء جلدته .

 

ثانياً : و يقول شارلي تيبر كذلك في الصفحة 211 الآنفة الذكر : (إن تاريخ الاحتكاك الطويل بين المسلمين و النصارى جعل المسلمين يشعرون بأنهم يفهمون النصرانية على حقيقتها ، كما أن سلوك و تصرفات النصارى أنفسهم بصفة عامة لم تعطِ الرسالة النصرانية حقها) .

 

نعم هذه حقيقة ، صحيح أن النصارى قد تغلبوا في أيام الصليبيين على كثير من ديار المسلمين و أحرزوا عليهم نصراً عسكرياً في كثير من المواقع ، لكنهم في النهاية هزموا هزيمة ثقافية فكرية عقدية ، و عادوا إلى ديارهم بعد ذلك و هم يحملون بين صدورهم إعجاباً و تقديراً لهؤلاء المسلمين و لدينهم الذي هو عصمة أمرهم ، عادوا و هم يتشبهون بهم في طرائقهم المعاشية و حياتهم و تقاليدهم ، و كثير من جوانب معارفهم .

 

إن سلوك النصارى لم يعطِ النصرانية حقها ، و هذا أمر لا شك فيه ؛ إذ إن النصارى الصليبيين الذين قدموا إلى ديار المسلمين صحيح أنهم قد قدموا و هم يحملون راية الصليب و لتحرير الديار المقدسة من سيطرة المسلمين كما يزعمون ، لكنهم في الحقيقة لم يأتوا إلا تحقيقاً لجشع مادي و كسب اقتصادي ، جاء معظمهم كالوحوش قتلاً و سفكاً و إراقة دماء و لصوصية ، جاء كثير منهم باحثاً عن عرشه المفقود و جاهه المسلوب ، إنهم كانوا حقاً في ظلام العصور الوسطى و قدموا بجيوشهم الجرارة إلى بلاد المعرفة و النور .

 

إن المسلمين عندما كانوا يفتحون بلداً كانوا يفتحونها لإعمارها و نشر الأمن فيها ، و مساعدة أهلها ليعيشوا حياة عزيزة كريمة ، و هذا ما جعل أمم الشعوب المغلوبة تقبل عليهم و تتلقى عنهم دينهم الذي جاءوا به ، ذلك الدين الذي يكمن خلف هذه المثاليات التي حملوها إلى هذه الشعوب .

 

و كلام شارلي تيبر يبدو منصفاً عندما نتأكد من أن هؤلاء الصليبيين لم يستطيعوا أن ينقلوا إلى الشعوب المسلمة المغلوبة دينهم و نصرانيتهم ؛ إذ كيف يتقبل المسلم دين هذا النصراني الغازي الذي لا يقيم وزناً لدينه و لا يعرف معنى لفضيلة ، بل على العكس من ذلك فإن سلوك النصارى قد أوجد ردة فعل قوية لدى المسلمين تجاه النصارى أولاً و تجاه النصرانية آخراً .

 

ثالثاً : و يقول في الصفحة 211 كذلك : (إذا عدنا إلى الطالب المصري الذي سبق ذكره أعلاه نرى أن واقعه التاريخي يشتمل على فخر عظيم بالآثار المصرية و بإنجازات إسلامية في الفترة التي كان فيها أجدادنا برابرة يعيشون في الأدغال في شمال أوروبا) .

 

إنها لشهادات تتلو شهادات ، إنه يضرب مثلاً بطالب مصري مسلم عاش فترة في بيئة نصرانية ، و أنه على الرغم من التأثير النصراني عليه لم يتخل تماماً عن كل ما يربطه بصلة إلى الإسلام و المسلمين ، حتى و لو كان الأمر إعجاباً ، و من المستحيل محو جميع علائقه بمن بنوا حضارة في الوقت الذي كان فيه الغربيون يتخبطون في تيه العصور الوسطى و ظلامها .

 

رابعاً : إن بروس ج. نيكولس في موضوعه “منطلقات لاهوتية جديدة في عملية تنصير المسلمين” يذكر في الصفحة 228 ما يلي : (إن كل مقاييس الطبيعة غير مناسبة كليةً لتعريف مفهوم المحبة الإلهية على الطريقة النصرانية التي تجعل من الإنسان إلهاً و ابناً للإله في آن واحد) .

 

مادام هذا قوله فلِمَ يلف و يدور بعد ذلك لإخضاع هذه التعقيدات و الاستشكالات للشرح و محاولة إدخالها ـ غصباً ـ في عقول الذين يريدون تنصيرهم . إن الفكر الوثني لم يكن في يوم من الأيام مقبولاً عقلاً و فهماً و منطقاً ، و لم ينتشر ، و لم يستمر في بلد أو في فترة إلا بعوامل من القوة الطاغية لمجتمع أو سيادة أو سيطرة ، و ما حاجَّ منطقٌ عاقلٌ منطقاً وثنياً إلا فاق عليه في حجته ، و قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ذات دلالة قوية في هذا الصدد {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة : 258] ؛ لأنه لم يجد أي رد منطقي أمام الدلالات العقلانية الموضوعية . و كفار قريش لم يكن جوابهم إلا قولهم : {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أمَّةٍ وَ إنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف : 22] .

 

و إن نقاط الضعف في النصرانية كثيرة جداً ، و لكن أبرزها أمران :

 

  1. كيف يمكن للعقل السليم أن يفهم الأقانيم الثلاثة واحد في ثلاثة و ثلاثة في واحد ؟!!
  2. كيف يكون الابن إلهاً و كيف يكون الإله ابناً ؟!!
  3. كيف يقدم الأب على قتل ابنه الذي يحبه ؟!!

 

و لن تستطيع كل النقاشات و المحاورات النصرانية المعقدة أن تزيل هذا الغبش لتجلي الصورة و تضعها قريبة من الأفهام {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة : 73] .

 

إن الإسلام قد تخطاهم كثيراً و سبقهم إلى العقل الإنساني عندما رد الأمور إلى نصابها : إله في السماء و في كل مكان ، و عباد في الأرض ، و لا اختلاط و لا امتزاج ، إنه إله واحد ، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء : 22] . و إن عيسى آية من آيات الله ، خلقه من أم بدون أب ، و مَثَلُه كمَثَل آدم خلقه من تراب من غير أم و لا أب ، و إن الله العظيم القادر على أن يجعل النار برداً و سلاماً ، و أن يجعل العصا الخشبية حية تسعى تلقف ما يأفكون ، لقادر على أن يخلق عيسى بنفخة منه ، {وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [التحريم : 12] .

 

إن الله مسبب الأسباب ، و هو القادر على أن يسلب الأشياء خواصها و يستبدلها بخواص أخرى ، كيلا يسدر الإنسان في ألفة الأشياء فيظن بأن هذه الأسباب مرتبطة بتلك المسببات ارتباطاً لا انفكاك منه و لا انفصام ، و بالتالي ينسى الإله الذي تقف قدرته خلف هذه الظواهر كلها ، تحركها و تسيرها ، فيكون هذا التغيير بمنزلة التنبيه و التذكير و التصحيح .

 

خامساً : نورد فيما يلي مقطعاً مطولاً من محاضرة بروس ج. نيكولس عن “منطلقات لاهوتية جديدة في عملية تنصير المسلمين” ، إذ يتحدث عن الإسلام من حيث كونه ديناً فيقول في الصفحة 223 ما يلي : (إن الإسلام هو أكثر من عقيدة دينية ، إنه نظام متكامل للحياة و الدين ، فالإسلام يدمج كل المؤسسات الدينية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية على أسس الإيمان و الاقتناع و الالتزام بقبول الله رباً و الاستسلام كليةً لإرادته كما ورد في الشريعة : “إن الإسلام هو عقيدة الجماعة التي تمثل حركة اجتماعية تسعى لتحقق في الزمان و المكان مطالب الهداية”. تقول تعاليم الإسلام إن الإنسان لا يحتاج إلى الخلاص بالمعنى النصراني ، و لكنه يحتاج إلى الهداية أو التوجيه الإلهي ، لكي يعرف و يطيع إرادة الله ، و الدعوة هي نداء الإنسان لاستعادة عقلانيته الحقيقية و فطرته و منزلته كخليفة لله أو ممثله على الأرض . إن مركز الإبداع في الإسلام هو التوحيد أي الشهادة بأن لا إله إلا الله ، و التوحيد يعني أن الله هو الخالق أو السبب الجوهري لكل الوجود و النشاط ، و يؤكد أن الإنسان هو مسئول عن تحقيق إرادة الله ، و عليه فإن الدين و الثقافة في الإسلام شئ واحد ، و كما قال إسماعيل الفاروقي : “إن الإسلام يقف بوضوح داخل التقاليد الدينية لوادي الرافدين ، حيث الدين هو الحضارة و الحضارة هي الدين” . و تجدر الإشارة هنا إلى مؤتمرين عقدا مؤخراً للتأكيد مرة أخرى على هذه النظرة التوفيقية للحياة ، ففي المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد في لندن في نيسان/إبريل 1976م حول “الإسلام و تحديات العصر” تم تقديم الإسلام كنظام متكامل من القيم و مصدر إلهام لكل منجزات العلم و الدراسات الإنسانية ، و المصدر الوحيد الراسخ للإيمان و السلوك ، و مرة أخرى دعا المؤتمر الدولي حول التعليم الإسلامي و الذي عقد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة نيسان/إبريل 1977م إلى النفوذ العلماني للتعليم الغربي ، و لإعادة تصنيف مجمل المعرفة وفق وجهة النظر الإسلامية) .

 

و هذا كلام يقدم نفسه للقارئ دون أن يحتاج إلى تعليق أو تفصيل ، فهو يشتمل على تقديم صورة قوية عن الإسلام بمفهومه المتكامل المؤثر ، و هي شهادة من غير المسلمين فيها إنصاف و اعتراف .

 

سادساً : جورد بيترز في موضوعه “نظرة شاملة على إرساليات التنصير العاملة وسط المسلمين” يقول في الصفحة 597 عدة جمل و عبارات فيها إنصاف و اعتراف ، و من ذلك :

 

  1. قوله : (و لدي انطباع بأن الإسلام هو أولاً و قبل كل شئ قوة روحية و صيغة لاهوتية و بناء ديني ، و سيواجه بجرأة كل الخبرات الفنية و الضغوط التي نستطيع تنظيمها) ، و هذا الكلام واضح بيِّن ، لكننا ـ نحن المسلمين ـ لا نستسيغ عبارة “صيغة لاهوتية” ، فهي غريبة عن حس المسلم و روحه .
  2. و يتابع قائلاً : (إنني أميل إلى الاتفاق مع فاندر و زويمر و فريتاك و آخرين فيما ذهبوا إليه من أن الإسلام حركة دينية معادية للنصرانية ، مخططة تخطيطاً يفوق قدرة البشر لمقاومة إنجيل ربنا يسوع المسيح . إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية ، و ترفض بكل وضوح و موثوقية صحة الإنجيل و أبوة الرب و أن المسيح ابنه و ضرورة موته و كفايته لمفهوم الخلاص و تبرير بعثه) .. كلام فيه إنصاف و اعتراف ، و لكننا ـ نحن المسلمين ـ نعترض على بعض النقاط الواردة فيه :
  • الإسلام ليس حركة معادية للنصرانية التي نزلت على عيسى عليه السلام على وجه الخصوص ، و قد تقدم إيضاح هذه النقطة .
  • نرفض عبارته “ربنا يسوع” ، فسبحان الله وحده الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبةً و لا و لداً .
  1. ثم يقول : (و في ذات الوقت فالنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعياً و سياسياً ، و يفوق في ذلك النظام الشيوعي) .

 

مع تقديرنا لهذا الكلام القوي المنصف ، إلا أننا نرى أنه كلام بسيط ساذج ؛ إذ لا مجال للمقارنة بين الإسلام ، الدين الذي جاء من لدن حكيم خبير ، و بين النظام الشيوعي الذي لا يعدو أن يكون عبث أطفال مقارنةً به ، و نعترض كذلك على عبارة أن (النظام الإسلامي أكثر النظم الدينية) ، فإن كلمة “أكثر” تفيد تفضيل شئ عن شئ بينهما وجه للمفاضلة ، و لكن الصواب أنه الدين الوحيد المتناسق اجتماعياً و سياسياً .