الصهيونية المسيحية


المصطلح مركب من كلمتين: (صهيونية، ومسيحية).
صهيونية: نسبة إلى صهيون، وهو جبل يقع جنوب بيت المقدس، ويزعمون أن الرب ساكن فيه، كما ورد في كتابهم ((رنموا للرب الساكن في صهيون))[1]. وتعني لفظة صهيون عند اليهود أرض الميعاد.[2]، وهذا المصطلح مصطلح خاص لا يطلق على كل اليهود، وإنما يطلق على طائفة منهم، واليهود انفسهم مختلفون في هذه الطائفة.

يرى تيودور هرتزل: أن الصهيونية هي العودة إلى الحياة اليهودية قبل أن تكون عودة إلى أرض صهيون؛ بينما يرى الصهاينة المعاصرون: أن الصهيونية هي العودة الفعلية إلي جبل صهيون في فلسطين، فلا يسمى صهيوني إلا من يحمل حقائبه بالفعل ويعود إلى فلسطين، وهذا ما أكدته (جولدا مائير) حين قالت: “بعد قيام دولة إسرائيل لا يمكن أن يعد صهيونيًا إلا ذلك يحمل حقائبه ويأتي على الفور“.

المسيحية: المراد بهم النصارى ويطلق على مؤمنهم وكافرهم وهكذا سماهم الله سبحانه وتعإلى في محكم كتابه حين قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]. وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وأما كلمة مسيحي؛ فهو مصطلح حادث نسبة المسيح عليه السلام، وهو منهم براء.

الصهيونية المسيحية: تم تعريف الصهيونية المسيحية على أنها “الدعم المسيحي للصهيونية”، وقد قيل أيضًا: إنها “حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض”، ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم كمدافعين عن الشعب اليهودي وخاصة “دولة إسرائيل” ويتضمن هذا الدعم معارضة كل من ينتقد أو يعادي “إسرائيل“.

والتر ريغنز” الأمين العام لما يسمى “السفارة المسيحية الدولية” وهي من أحدث وأخطر المؤسسات الصهيونية ومركزها في القدس، يعرف اصطلاح الصهيونية المسيحية بطريقة سياسية وعلى أنه -أي التعريف- أي مسيحي يدعم الهدف الصهيوني لدولة إسرائيل وجيشها وحكومتها وثقافتها الخ.

أما القس “جيري فالويل” مؤسس جماعة العمل السياسي الأصولي المسماة “الأغلبية الأخلاقية” وهو الذي منذ فترة تكلم واتهم دين الإسلام بأنه دين إرهابي، فإنه يقول: “إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقًا يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم، إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948 لهي في نظر كل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد“.

الجذور التاريخية والدينية للصهيونية المسيحية:
نشأت الصهيونية المسيحية، وكما نعرفها اليوم، في انكلترا في القرن السابع عشر، حيث تم ربطها بالسياسة، ولا سيما بتصور دولة يهودية تتميمًا حسب زعمها لنبوءة الكتاب المقدس، وانتقلت في مرحلة ثانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أخذت أبعادًا سياسية واضحة وثابتة كما أخذت بعدًا دوليًا.

الألفية كتمهيد للصهيونية المسيحية:
الصهيونية المسيحية هي أيديولوجيا دينية “رؤيوية” سياسية حديثة العهد نسبيًا، لكن جذورها تتصل بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية ويسمى بتيار الألفية (Millenarianism). والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين الذين هم من أصل يهـودي، وهو يعود إلى استمرارهم في الإعتقاد بالمشيحية الزمنية -المشيحية كلمة من أصل عبري ـ وإلى تأويلهم اللفظي لما ورد في سفر رؤيا يوحنا – 20/3-6، وهو أن المسيح سيعود إلى هذا العالم محاطًا بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة ولذلك سُموا بالألفية.

الصهيونية المسيحية البريطانية
إلا أن بوادر تفسير الكتب المقدسة تفسيرًا حرفيا وربطها بالسياسة، ولا سيما بتصور دولة يهودية تتميما –حسب زعم الألفيين- لنبوءة الكتاب المقدس، فقد بدأت بشكل بارز في بريطانيا في القرن السابع عشر.

ونجد في عام (1588) رجلًا بريطانيا من رجال الدين واسمه “بريتمان” (1562-1607)، يدعو إلى إعادة اليهود إلى الأراضي المقدسة تتميمًا لنبوءة الكتاب المقدس.

وفي عام (1615) دعا البرلماني البريطاني “السير هنري فينش” الحكومة إلى دعم عودة اليهود إلى فلسطين حيث كتب:”ليس اليهود قلة مبعثرة، بل إنهم أمة، ستعود أمة اليهود إلى وطنها، وستعمر كل زوايا الأرض..وسيعيش اليهود بسلام في وطنهم إلى الأبد“.

ثم توالى الساسة البريطانيين على هذه الفكرة، وأخيرًا لا بد من ذكر اسم “اللورد آرثر بلفور” مهندس وعد بلفور الذي صدر في عام (1917). لقد كان “بلفور” من الألفيين ومن الصهيونيين المسيحيين، وقد أدت لقاءاته بكل من “تيودور هرتزل” و”حاييم وايتزمان” إلى ما يقارب الإنسجام، رغم أنه كان معروفًا عنه بمواقفه المعادية لليهود.[3]

الصهيونية المسيحية الأمريكية:

انتقلت في القرن العشرين الصهيونية المسيحية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما بعد إنشاء دولة إسرائيل وترجمت بعض الآيات الدينية بعد أن حرفت تفاسيرها الروحية ترجمةً سياسية مباشرة صبت بقوة في دعم دولة إسرائيل. واستخدم الصهيونيون المسيحيون الأميركيون وسائل الإعلام الجماهيرية بشكل منقطع النظير لنشر أفكارهم وأوهامهم وأحلامهم ومعتقداتهم.

لقد شكل تيار الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة على الدوام رافدًا استندت إليه الصهيونية في تحقيق مشروعها وفي تشكيل مجموعات ضغط تعمل لمصلحة “إسرائيل”,‏ بل وفي كسب قطاع واسع من الأوساط البروتستانتية الأصولية في أمريكا وعلى أعلى المستويات‏.‏

وإذا كانت الصهيونية المسيحية تبرز الآن كقوة محركة ودافعة للسياسة الأمريكية ونزوعها إلى معاداة العرب والمسلمين وحقوقهم والتحريض على خوض الحروب ضدهم تحت شعار محاربة ‏”‏الإرهاب‏”‏ أو غيرها من الشعارات بعد وصول أركانها إلى السلطة‏,‏ فالحقيقة أن تيار الصهيونية المسيحية موجود منذ سنوات طويلة وبدرجات مختلفة في مراكز صنع القرار الأمريكي في مختلف العهود.

موقف كنائس الشرق الأوسط من الصهيونية المسيحية
يتلخص موقف كنائس الشرق الأوسط من الصهيونية المسيحية بالنقاط الآتية:
أولًا: لقد وضع مجلس كنائس الشرق الأوسط في أولى اهتماماته الالتزام بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي والحوار الإسلامي المسيحي في سبيل إنماء العيش المشترك لا بل العيش الواحد.

ثانيًا: أما في ما يتعلق بمواجهة الإعلام الصهيوني الذي يطغى على الإعلام الغربي، لا سيما في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فيحرف الحقائق ويكوّن رأيًا عامًا منحازًا لإسرائيل، فإن مجلس كنائس الشرق الأوسط يعمل عبر قنوات محددة يستطيع من خلالها مخاطبة الرأي العام الغربي ولو جزئيًا لتصحيح ما أمكن من ملامح الصورة المشوهة عن أبناء الشرق الأوسط والمسلمين والإسلام والعرب. هذه القنوات تتمثل بشكل رئيسي بشركاء مجلس كنائس الشرق الأوسط أي مجالس الكنيسة العالمية والإقليمية والمحلية.

ثالثًا: فيما يتعلق بالصهيونية المسيحية بالذات، فلقد أدرك مجلس كنائس الشرق الأوسط تمام الإدراك خطورة هذا التيار ليس فقط على القضية الفلسطينية بل أيضا على العلاقات الإسلامية المسيحية، وعلى المسيحيين الشرقيين.

يلخص القس رياض جرجور، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط وخلاصة موقف كنائس الشرق الأوسط بما يلي:
أولًا: إن ما يسمى بالصهيونية المسيحية لا يمت بصلة إلى المسيحية بجميع كنائسها وطوائفها. إنها اقتناص للمسيحية لوضعها رهينة في خدمة مصالح الصهيونية، وهي تشويه مشبوه الغايات لبعض ما جاء في أسفار الكتب المقدسة.

ثانيًا: إنها مؤامرة حيكت ضد المسيحيين عامةً في العالم والمسيحيين العرب خاصة، فهي تضرب كل مشروع حواري ما بين المسيحية والإسلام، وتبرر أطروحات صراع الحضارات والأديان، ولا سيما المسيحية والإسلام، وهي تستهدف ضرب العيش المشترك الإسلامي المسيحي في دنيا العرب، ذلك العيش الذي مارسناه معًا وما زلنا بحلوه ومره منذ بداية الإسلام وحتى أيامنا هذه وبدون انقطاع.

ثالثًا: إن هذا الأمر يطرح علينا جميعًا تحديا كبيرا وهو بناء الوعي الذي يمنع تزييف الدين واستخدامه في تبرير سياسات الظلم والعدوان أو إضفاء القدسية على أحلام وأوهام مدمرة.

رابعًا: الصهيونية والمسيحية نقيضان، كما العنصرية والاصطفاء والاستعمار والاستكبار والظلم على نقيض مع المحبة والتواضع والأخوة والعدل والحق والسلام. أما أن تستخدم الصهيونية الأمريكية المسيحية قناعًا ووسيلة وتبريرًا لمشاريعها فإن هذا الأمر حاصل للأسف اليوم في أميركا ويمكن لا سمح الله أن يحصل في أي بلد آخر. الكلمة الفصل فيما يعنينا نحن المسيحيين هي قول السيد المسيح”من ثمارهم تعرفونهم“.

الصهيونية المسيحية كحركة سياسية:
سعت الصهيونية المسيحية‏‏ منذ تبلور اتجاهاتها في ما قبل إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين،‏ لدعم نفوذها لدى الرأي العام الأمريكي،‏ وممارسة الضغوط السياسية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل مصلحة هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة وطن لهم فيها‏،‏ واستخدمت الصهيونية المسيحية من أجل ذلك كل وسائل العمل السياسي والإعلامي والمنابر اللاهوتية،‏ وتقديم العرائض ونشر الكتب والبيانات،‏ وتأسيس المنظمات والمؤسسات العاملة من أجل دعوة اليهود ‏”‏للعودة‏”‏ إلى الأرض المقدسة وتيسير أمر هذه الهجرة‏،‏ كما أسهمت في دعم وتمويل إنشاء مستعمرات يهودية زراعية وغير زراعية في فلسطين‏.‏

وفي ثلاثينيات القرن العشرين تسارع نمو منظمات صهيونية مسيحية‏،‏ نشطت من أجل‏ “‏مساعدة اللاجئين اليهود الفارين من ألمانيا وأوروبا الشرقية لدخول فلسطين ملاذهم الطبيعي‏”.‏

ومن بين هذه المنظمات‏”‏ اللجنة الفلسطينية‏-‏ الأمريكية‏”‏ التي تأسست في مايو عام ‏1932‏وقادها في مراحل تالية أعضاء كبار من الكونجرس وقادة عمال ورجال أعمال وأكاديميون ووزراء‏،‏ وكذلك منظمة‏ “‏المجلس المسيحي لفلسطين‏”‏ التي تأسست في عام ‏1942‏ وغيرها‏.‏

لكن التنامي الكبير في هذه المنظمات الصهيونية المسيحية عددًا وقوة،‏ أخذ في التسارع بعد قيام “إسرائيل” وبخاصة في الستينيات حينما برزت قيادة صهيونية مسيحية عبر منابر كنسية ومحطات تليفزيونية وإذاعة‏،‏ وقدمت برامج دينية ذات طابع جماهيري،‏ ونشرت كتبًا‏،‏ وأنتجت أفلاما سينمائية ناجحة،‏ وأسست مدارس وجامعات ومراكز بحث،‏ وقد شكلت “إسرائيل” ودعمها والوقوف معها محورًا أساسيًا في هذه الأنشطة باعتبار أن الوقوف ضد “إسرائيل” هو معارضة للرب‏.‏

ومن أبرز القيادات الصهيونية المسيحية القس جيري فولويل الذي اقتحم الحياة السياسية الأمريكية في مطلع الستينيات ببرامج متلفزة ومسموعة‏,‏ من بينها برنامج‏ “‏ساعة من إنجيل زمان‏”‏ والذي يبدو فيه أكثر تشددًا في دعم “إسرائيل” من كثير من اليهود الأمريكيين‏,‏ ولم تقف طموحاته عند حدود الوعظ في الكنيسة ووسائل الإعلام‏,‏ بل عمل على بناء مؤسسات تعليمية تملك أجهزة إعلامية‏,‏ وتأسيس منظمة سياسية للعمل السياسي باسم‏ “‏منظمة الأغلبية الأخلاقية‏”‏ لممارسة الضغط على الكونجرس والإدارة الأمريكية‏,‏ وللتأثير في اتجاهات الرأي في المجتمع الأمريكي‏,‏ ولتعبئة الملايين من الأمريكيين لممارسة حقهم الانتخابي والتصويت على البرامج والأشخاص الذين ترشحهم منظمات الصهيونية المسيحية‏.‏ ونجحت منظمة جيري فولويل في توفير عناصر النجاح لعدد من الشيوخ والنواب في الكونجرس‏,‏ وحولت مواقف عدد غير قليل من الأعضاء لمصلحة التصويت الدائم لطلبات “إسرائيل”‏.‏

ولا يقف جيري فولويل وأتباعه وبرامجه ومنظماته‏,‏ عند مسألة الوقوف مع “إسرائيل” دائما‏ً,‏ وإنما يمارس مواقف مناهضة للعرب ولحقوقهم‏,‏ كما يعارض بيع أسلحة أمريكية للدول العربية‏,‏ ويمارس ضغوطًا في الكونجرس لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس‏,‏ ويقدم‏ “‏شهادات استماع‏”‏ أمام لجان الكونجرس المختلفة بهذا الشأن‏,‏ حيث يرى أن القدس هي عاصمة لليهود منذ آلاف السنين وأن نقل السفارة إليها خطوة مبررة دينيًا وصحيحة سياسيا‏ً,‏ وأن “إسرائيل” هي الدولة الوحيدة في العالم التي ينكر حقها في اختيار مكان عاصمتها‏.‏ وقد عبرت “إسرائيل” عن تقديرها للقس الصهيوني جيري فولويل‏,‏ فمنحته ميدالية الزعيم الصهيوني الإرهابي جابوتنسكي‏,‏ وزرعت غابة باسمه في أحد جبال القدس المحتلة‏.‏

ومن القيادات الصهيونية المسيحية البارزة الأخرى‏,‏ القس بات روبرتسون‏,‏ الذي يعود بأصوله إلى أسرة هاريسون الذي وقع إعلان استقلال أمريكا‏,‏ وكان والده عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي لمدة ‏34‏ عاما‏ً,‏ وأعلن بات روبرتسون ترشحه للرئاسة الأمريكية عام ‏1988.‏ ويقف روبرتسون على رأس منظمة متشعبة الأغراض والوسائل ولها جذور شعبية وتأثير واسع المدى‏,‏ وتعتبر شبكته الإعلامية المسماة‏”‏ شبكة الإذاعة المسيحيةCBNمن بين المحطات الأكثر حداثة وحذقًا ونشاطا‏ً,‏ واحتلت الموقع الرابع بعد شبكات التلفزة الرئيسية الثلاث في الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ وتصل إلى أكثر من‏30‏ مليون منزل‏.‏ وتملك مؤسسة روبرتسون جامعة معتمدة منذ عام ‏1977‏ تصدر نشرة إخبارية تضم أكثر من ربع مليون مشترك‏,‏ وقد اعتاد أن يقول فيها: إن “إسرائيل” هي أمة الله المفضلة ويؤيد احتلالها للأراضي العربية ويعتبر العرب في برامجه المتلفزة أعداء الله‏.‏

ومن الشخصيات الصهيونية المسيحية البارزة الأخرى القس مايك ايفانز‏,‏ ومن برامجه الاستعراضية المرئية برنامج يسمى‏ “‏إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء‏”،‏ وقد اعتاد أن يستضيف في برامجه قادة من “إسرائيل”‏,‏ وتغطي برامجه أكثر من ‏25‏ ولاية أمريكية‏,‏ وينشر الإعلانات الصحفية الباهظة الثمن دعمًا لإسرائيل ولسياساتها‏,‏ ويرى أن بقاء “إسرائيل” حيوي لبقاء أمريكا،‏ وأنتج فيلمًا واسع الانتشار أسماه‏”‏ القدس دي‏.‏ سي‏”‏ ويعني ذلك القدس عاصمة داوود،‏ مستخدمًا حرفـي(D)‏ و‏(C)‏ ليـرتبـط هـذا المسمـى في أذهان الأمريكيين بحرفي (D)‏ و(C)‏ فـي عاصمتهم واشنطـن دي‏.‏ سي‏ (Districtof Colombia)،‏ بهدف التدليل على أن القدس هي عاصمة “إسرائيل” مثلما أن واشنطن هي عاصمة الولايات المتحدة‏.‏

ويتضح مما سبق حدوث تطور هائل في أساليب الدعوة والتبشير والوعظ في الشؤون اللاهوتية‏,‏ فالديانة لم تعد في المجتمع الأمريكي مجرد طقوس تؤدى في الكنائس في أيام الآحاد وفي الأعياد الدينية‏,‏ وإنما تتم أيضًا من خلال التفاعل والاستجابة مع برامج دينية متلفزة يشاهدها ملايين الناس‏,‏ وبخاصة البالغين ممن تتجاوز أعمارهم الخمسين عاما‏ً,‏ وهم أضخم كتلة انتخابية وأكثر فئات المجتمع ثراء وتبرعًا واهتمامًا بالعمل السياسي والاجتماعي‏.‏

وقد شكلت الصهيونية المسيحية العديد من جماعات الضغط للتأثير في صناع القرار في الإدارة الأمريكية من أجل تحقيق أغراضها وتوجهاتها وعقدت تحالفات متينة لهذا الغرض مع جماعات اليمين المحافظ السياسية‏,‏ وهو اليمين الذي يؤمن بالمبادئ التوراتية نفسها ويتميز بكفاءة كبيرة في التنظيم‏,‏ واستقطاب الجماهير‏,‏ وتوفير مصادر التمويل‏.‏ ومن بين هذه المنظمات الممارسة للضغط السياسي‏,‏ منظمة‏ “‏المائدة المستديرة الدينية‏”‏ التي تأسست في عام ‏1979,‏ وقد ترأسها القس ادوارد مالك اتيـر (E.M.CAtter),‏ وعقدت العشرات من الندوات التي شارك فيها سياسيون وقيادات أصولية مسيحية‏,‏ كما أقامت‏ “‏حفلات إفطار سنوية‏”‏ للصلاة من أجل “إسرائيل” ودعم سياساتها ودرجت على إصدار بيان عقب كل صلاة إفطار تبارك فيه “إسرائيل” باسم ما يزيد على‏50‏ مليون مسيحي يؤمنون بالتوراة في أمريكا‏.‏ وتشارك هذه المنظمة في إصدار النشرات وتقديم المعلومات لأعضاء الكونجرس‏,‏ كما تشارك في تنظيم الرحلات إلى “إسرائيل”‏,‏ وفي تنظيم حملات الرسائل إلى مراكز القرار السياسي الأمريكي لمصلحة “إسرائيل”‏.‏

ومن بين هذه المنظمات التي تمارس أساليب الضغط السياسي‏ (‏اللوبي‏)‏ مؤسسة‏ “‏جبل المعبد‏”,‏ ولها امتداداتها داخل “إسرائيل” وتركز هدفها على إنشاء ‏”‏الهيكل‏”‏ في القدس‏,‏ ولها شبكة هائلة من المتعاونين معها من رجال أعمال وقساوسة ولها فروعها في عدد من المدن الأمريكية‏,‏ كما أن لها تفرعاتها على شكل لجان كنسية‏,‏ وتعمل في مدينة القدس‏,‏ وتوفر الدعم المالي لغلاة اليهود العاملين على هدم المسجد الأقصى وبناء ‏”‏الهيكل‏”‏ مكانه‏,‏ كما توفر دعمًا قانونيًا لأولئك اليهود الذين اقتحموا المسجد الأقصى واعتدوا عليه‏,‏ وتجمع الأموال المعفاة من الضرائب وتبعث بها إلى “إسرائيل”,‏ كما تقوم بشراء أراض في الضفة الغربية المحتلة لمصلحة الإسرائيليين وبخاصة في القدس الشرقية وضواحيها‏,‏ كما تتولى هذه المؤسسة عمليات تدريب الكهنة اليهود وإعدادهم‏,‏ وتجنيد خبراء في الآثار والتصوير وإيفادهم إلى فلسطين للتنقيب تحت المسجد الأقصى‏.‏

وهناك العديد من المنظمات الصهيونية المسيحية من أمثال منظمة‏ “‏مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل‏”‏ التي تأسست في عام ‏1975,‏ و‏”‏الصندوق المسيحي الأمريكي لأجل إسرائيل‏”,‏ المتخصص في شراء الأراضي العربية وحيازتها لأغراض بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية‏,‏ وكذلك‏”‏ الرابطة الصهيونية المسيحية لدعم إسرائيل‏”,‏ و‏”‏وسطاء لأجل إسرائيل‏”,‏ و‏”‏الكونجرس المسيحي الوطني‏”‏ الذي يشارك فيه رهبان كاثوليك وقساوسة بروتستانت‏.‏

ومن المنظمات الصهيونية المسيحية النشيطة داخل “إسرائيل” نفسها‏,‏ المنظمة المسماة بـ‏”‏ السفارة المسيحية الدولية‏”‏ وقد جاء تأسيسها تعبيرًا عن أهمية القدس لدى أتباع هذه العقيدة الصهيونية المسيحية‏,‏ وتأكيدًا لأهمية العمل المسيحي‏,‏ نيابة عن “إسرائيل‏”,‏ وقد تأسست عام ‏1980‏ وبحضور أكثر من ألف رجل دين مسيحي يمثلون ‏23‏ دولة‏,‏ وافتتحت لها فروعًا في عدد كبير من عواصم العالم‏,‏ ولها أكثر من عشرين مكتبًا في الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏

ومن أبرز نماذج أنشطتها ما تنشره من كتب ومجلات ونشرات‏,‏ وحملات عرائض‏,‏ وحملات بريد ورسائل‏,‏ ورحلات سياحية إلى “إسرائيل” إلى جانب تنظيم مسيرات ومظاهرات‏.‏

هذه نماذج قليلة من منظمات الصهيونية المسيحية التي يزيد عددها على ثلاثمائة منظمة ومؤسسة وجماعة ضغط‏.‏ لقد نمت هذه الحركة الصهيونية المسيحية في أمريكا بتسارع جارف وحجم كبير وبموارد ضخمة وصارت تشكل تيارًا سياسيًا رئيسيًا وبخاصة في الحزب الجمهوري ومؤسساته‏,‏ وتؤدي دورًا مؤثرًا وحاسمًا في توفير التأييد الشعبي‏,‏ والدعم المالي والمعنوي والسياسي والعسكري لإسرائيل على قاعدة وشعار الحركة الأصولية المسيحية‏ “‏هل تستطيع أن تحب المسيح من غير أن تحب “إسرائيل”؟‏”,‏ وصارت توصف في الأوساط اليهودية بأنها أحد أهم أعمدة “إسرائيل” في الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏

ونتذكر ما قاله المتحدث باسم‏ “‏السفارة المسيحية الدولية‏”,‏ حينما اعترض أحد الإسرائيليين المشاركين في المؤتمر الصهيوني المسيحي الأول المنعقد في بازل عام ‏1985,‏ على اقتراح حث “إسرائيل” لإعلان ضم الضفة الغربية وغزة مقترحًا تخفيفه‏,‏ بسبب أن استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي تشير إلى أن ثلث الإسرائيليين يرغبون في مبادلة الأرض بالسلام‏.‏ أجاب المتحدث باسم هذه المنظمة المسيحية‏,‏ قـائلا‏ً: “‏لا يهمنا تصويت الإسرائيليين‏,‏ ما يهمنا هو ما يقوله الله‏,‏ والله أعطى هذه الأرض لليهود‏”,‏ عند ذلك مر الاقتراح بالإجماع‏.‏

ولقد وعت “إسرائيل” و‏”‏الحركة الصهيونية العالمية‏”‏ مدى أهمية المنظمات الصهيونية المسيحية لدعم المشروع الصهيوني‏,‏ ولا سيما أن هذه المنظمات صارت تشكل قوة عددية ومادية ونفوذًا كبيرًا في المجتمع الأمريكي‏,‏ مما دفعها إلى التحالف والتنسيق معها‏,‏ وتيسير حركتها وتلميع قادتها إعلاميا‏ً,‏ والسماح لها بالحركة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه واستخدامها لأغراض ممارسة الضغط والتأثير في الرأي العام الأمريكي والعالمي لمصلحة أهداف “إسرائيل” وسياساتها‏.‏

وتدرك “إسرائيل” أن تحالفها مع هذه القوى المسيحية المتصهينة له فائدة استراتيجية‏,‏ ووجدت أن مسألة تنصير اليهود في المستقبل‏,‏ أي عند عودة المسيح الثانية‏,‏ هي مسألة لاهوتية مؤجلة لا تستدعي الخوض فيها الآن‏,‏ حتى لا يؤثر ذلك في تحالفات وعلاقات “إسرائيل” بالمسيحية الأصولية‏,‏ ويبدو أن كلا الطرفين يتحاشى الخوض في هذه المسألة الخلافية‏,‏ وكلاهما يملك عقلية براجماتية مدهشة‏,‏ فالمنظمات الصهيونية المسيحية درجت في مراحلها المبكرة من هذا القرن على اعتبار أمريكا ‏”‏أمة مسيحية‏”,‏ لكنها تراجعت عن شعارها هذا واعتمدت شعارًا جديدًا يعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية هي ‏”‏جمهورية مسيحية‏,‏ يهودية‏”.‏

وفي الوقت نفسه فإن استقراءً لتاريخ “إسرائيل” والحركة الصهيونية السياسية يبين أن “إسرائيل” لا تستطيع تحمل مسألة التدقيق في نوعية أصدقائها‏,‏ أو التردد في قبول الدعم‏,‏ بل تأخذه من أي مصدر تستطيع الحصول عليه‏,‏ ولا ترد اليد التي تمتد لدعم سياساتها وأمنها ووجودها‏,‏ وأثبتت الصهيونية المسيحية أن ‏”‏صهيونيتها‏”‏ أشد تطرفًا وغلوًا من صهيونية قطاع غير قليل من يهود “إسرائيل” نفسها‏.‏

ومن ناحية أخرى‏,‏ يلاحظ وجود قاسم مشترك ما بين الفكر الصهيوني اليهودي‏,‏ والفكر الصهيوني المسيحي‏,‏ من حيث اعتبار القوة بمثابة الطريق لتحقيق الغايات السياسية أو اللاهوتية‏,‏ وكلاهما يتحدث عن الإبادة والغزو والحرب النووية‏.‏ كما يتشابه مضمون الخطاب الصهيوني لدي اليهودية والمسيحية المتهودة‏,‏ من حيث تبرير الاستيطان عقائديًا‏,‏ واستخدام التطهير العرقي لسكان الأرض الأصليين‏,‏ وامتلاك الشرعية المستمدة أو المبررة من فهم حرفي للتوراة‏,‏ حيث كان الغزاة عبر التاريخ في الأمريكتين وجنوب أفريقيا وغيرها يتلحفون نموذج المسيحي المتهود المؤمن بمقولة‏: “‏أرض بلا شعب لشعب بلا أرض‏”.‏ وقد شكلت الصهيونية السياسية تجسيدًا صارخًا لما يمكن تسميته بالإمبريالية الثيوقراطية المسيحية‏,‏ وبررت الاستيطان واقتلاع السكان وقتلهم بمبررات توراتية‏.‏

وفي كل الأحوال لا تبدو “إسرائيل” في الخطاب الصهيوني المسيحي أمرًا دنيويًا أو إنسانيًا أو حتى سياسيًا‏,‏ ولكن تبدو‏”‏ قضاء إلهيًا‏”,‏ ومن ثم تصبح معارضة سياسات “إسرائيل” خطيئة دينية‏,‏ ويصير دعمها وتأييدها في سبيل مرضاة الله‏,‏ وتكون تقويتها عسكريًا واقتصاديًا ومساعدتها ماديًا وتسويق منتجاتها وسنداتها وإنشاء صناديق الاستثمار الدولية لمصلحتها‏,‏ وبناء المستوطنات فوق أرض مغتصبة‏,‏ وتنظيم الرحلات السياحية إليها‏,‏ وتوفير وسائل المعلومات والتقنية لها‏,‏ التزامًا دينيًا مبنيًا على اعتبارات تاريخية ولاهوتية‏.‏

ماذا يعني ذلك؟
يعني في جانب بارز منه: أن هذه الظاهرة إذا ما استمرت وتعمقت فإنها ستترك آثارًا كبيرة داخل المجتمع الأمريكي نفسه‏,‏ وبخاصة تجاه طرح منظومة قيم مختلفة مستندة إلى مبادئ توراتية‏,‏ كما سيكون لهذه الظاهرة أبعادها على مستوى العلاقات الأمريكية مع العالم الخارجي‏,‏ وبخاصة في إطار الهيمنة الثقافية والقيمية الأخلاقية‏,‏ ولعل هذا النوع من الهيمنة قد يدفع باتجاه إدخال الاصطفاء الإلهي في السياسة الدولية‏.

الصهيونية المسيحية في ميزان الكنائس الأمريكيةفي الواقع تمثل الصهيونية المسيحية عدديًا نسبة ضئيلة ما بين الكنائس الأمريكية، لكنها نسبة فاعلة جدًا، وتقود جماعات الصهيونية المسيحية جمعيات من المعمدانيين الجنوبيين (Southern Baptists)، هذا ويشكل المعمدانيون بمجملهم مع الكنائس الأخرى ذات التوجه اليميني وليس فقط المعمدانيون الجنوبيون نسبة تبلغ حوالي الستة عشر بالمئة فقط من السكان، أما الطوائف البروتستانتية الأربع الكبيرة غير المعمدانية أي المثوديست واللوثريون والمشيخيون والأنغليكان أو الأسقفيون فإنها تشكل نسبة خمسة عشر بالمئة من عدد السكان, ومن الأهمية بمكان أن هذه الطوائف الأربع بالإضافة إلى الكاثوليك والطوائف الأرثودوكسية هي متعاطفة عمومًا مع القضية الفلسطينية وجميعها حتى كنيسة الميثوديست التي ينتمي اليها شكلًا الرئيس جورج دبليو بوش قد أصدرت بيانات نددت فيها بالحرب على العراق ووصفتها بأنها حرب لا أخلاقية ولا شرعية ومدانة مسيحيا.

كيف نواجه الصهيونية المسيحية؟
إذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية يطغى عليها الصهاينة واليهود، من أعلى مستويات السلطة إلى العديدين من المستشارين، وإذا كان الرئيس الأميركي الحالي هو أكثر الرؤساء افتتانًا بالنظريات الرؤيوية للصهيونيين المسيحيين، وأكثر بكثير مما كان عليه الرئيس جيمي كارتر والرئيس رونالد ريغان، فهل بات تصويب الأمور أمرًا مستعصيًا؟ وهل الصهيونية والصهيونية المسيحية قدر حتم علينا أن نتلقى ضرباته ونستسلم “لحق القوة” الذي ينتصر به على “قوة الحق”؟

كلا! وعلينا أن نقاوم. علينا أن نقاوم لأننا أصحاب حق ولأننا أبناء الحق والعدل والسلام. وكما ان المقاومة اللبنانية الباسلة قد دحرت الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة علينا كل من موقعه أن يلتزم مقاومته! أجل، كل منا، الدولة والأحزاب وهيئات المجتمع المدني والكنائس.

الصهيونية المسيحية والسياسة الأمريكية (الحلقة1)
14-9-2003

الصهيونية المسيحية.. بين رؤى الدين وتوظيف السياسة
سمير مرقس**
نتيجة للإصرار على الطبيعة الدينية للصراع الحالي في المنطقة، فإنه تم استدعاء الحديث عن:

الصهيونية المسيحية.
المسيحية المتهودة.
اليمين المسيحي الجديد.
الأصولية البروتستانتية.

ولي على هذا الاستدعاء عدة ملاحظات، وهي:

أحيانًا نقترب من موضوع ما دون دراية علمية دقيقة، ويتجلى ذلك في إصرار البعض على استخدام تعبير “المسيحية الصهيونية” وهو تعبير غير دقيق. فالتعبير في الأصل بالإنجليزية Christian Zionism، وترجمته “الصهيونية المسيحية”، فالمسيحي الذي يبدأ في الأخذ بالأفكار الصهيونية، فإنه يكون موضوعيًّا وعمليًّا قد خرج عن الإيمان المسيحي؛ لذا لا يمكن أن تكون هناك “مسيحية صهيونية”، بل هناك صهيونية تقوم بتوظيف الأفكار والآيات المسيحية لصالحها.

الخلط بين “المسيحية المتهودة” و”اليمين المسيحي الجديد” New Christian Right (ونميزها عن المسيحية الجديدة – ولا نعني بها ديانة جديدة، بل اتجاه في أمريكا بدأ يعني بالمسائل الاجتماعية، مثل: الفقر والعدل الاجتماعي) وبين الأصولية البروتستانتية وبين الصهيونية التي تعيد توظيف المسيحية لصالحها، وهو المصطلح الذي نعتمده في دراستنا.

نعم قد تتفق هذه الاتجاهات في موقفها من بعض الموضوعات مثل الموقف من إسرائيل، بيد أن هناك فروقًا هامة بين كل اتجاه:
فالأصولية البروتستانتية: تيار روحي متشدد له منظماته.
واليمين المسيحي الجديد: تيار سياسي يعمل في إطار المجتمع المدني تحت شعارات دينية، وعملوا كجماعات ضغط ويعدوا القاعدة الاجتماعية للمحافظين الجدد (وهم علمانيو التوجه) تلاحظ هذه المفارقة، والكتلة التصويتية المؤثرة والأفضل تنظيمًا.
الجهل التام بالخريطة المعرفية للمصطلحات وتاريخها واستخداماتها، كذلك أهم من أسهم علميًّا وبحثيًّا لتوفير المادة العرفية المطلوبة، وإدراك الإسهام المضاف لكل من هؤلاء المساهمين.
الخلط بين توظيف الإدارة الأمريكية لخطاب هذه التيارات في مخططاتها التوسعية منذ وقت مبكر، وبين أن جوهر الصراع، وهل هو ديني بالأساس.

اقرأ في الموضوع:
الإحياء الصهيوني المسيحي في أوروبا.
الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة.
**
باحث مصري

السفارة المسيحية والبعد الدولي للصهيونية المسيحية:
إن التأييد المسيحي الأصولي لإسرائيل يستند عند الكثيرين كما رأينا إلى “رؤية” للعالم، أو بالأحرى لنهايته، تفترض تبشير اليهود. ولكن، هل أن تبشير اليهود يرضي اليهود؟ وأنا دائما أسأل هذا السؤال. يبدو أن هذا الأمر لا يثير مشكلة كبيرة لدى الساسة الصهاينة، ولو أنه يزرع الشك في نفوس بعض المتشددين اليهود، ذلك أن أولوية كسب التأييد السياسي لدولة إسرائيل تغلب الإعتبارات الدينية الصرفة.

مع ذلك، فإن مواقف أصولية مسيحية صهيونية، ورغبة منها بتطمين اليهود، راحت تقول بعدم تبشير اليهود، بل بالوقوف إلى جانبهم – “تعزيتهم”على حسب ما جاء في سفر أشعياء في التوراة – 1:40-2 -“عزوا شعبي يقول إلهكم، طيبوا قلب أورشليم ونادوها بأن جهازها قد كمل“.

أبرز ممثلي هذا التيار وأخطرهم اليوم هم جماعة “السفارة المسيحية العالمية في القدس”. تأسست هذه السفارة في العام ألف وتسعماية وثمانين (1980) ردًا على سحب ثلاثة عشرة دولة سفاراتها من القدس استنكارًا لإعلانها عاصمة لإسرائيل، ولهذه السفارة فروع في خمسين دولة في العالم، ولها في الولايات المتحدة الأمريكية عشرون مكتبًا قنصـليًا. المكاتب تقوم بعمل دعائي من مختلف الأنواع، وتجمع المساعدات المالية والعينية وتسوق البضائع الإسرائيلية. من نشاطات “السفارة” المؤتمر الدولي للقادة المسيحيين الصهاينة الذي عقد في بازل (سويسرا) خلال شهر آب عام ألف وتسعماية وخمسة وثمانين (1985) والذي انتهى إلى إصدار بيان، يضيف إلى تكرار المواقف التقليدية المؤيدة لدولة إسرائيل و “التائبة عن اللاسامية”، تهنئة لدولة إسرائيل ومواطنيها على إنجازات الأربعين سنة الأخيرة، ودعوة للإعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وبيهودا والسامرة (الضفة الغربية) كأجزاء من أرض إسرائيل، وتحذيرًا للأمم التي تعادي الشعب اليهودي.

لقد أدان مجلس كنائس الشرق الأوسط هذا البيان بشدة. إن السفارة المسيحية في القدس هي مثال واضح ومفضوح لانحياز التيار المسيحي الأميركي الأصولي لدولة إسرائيل، و لتوظيف الدين توظيفًا مغرضًا في السياسة.

وهناك عدة أصناف من السلوك تصف الصهيونيين المسيحيين كأصدقاء لإسرائيل ومنها:
1.
تشجيع الحوار ما بين اليهود والمسيحيين.
2.
مقاومة معاداة السامية.
3.
التعريف بالأصول اليهودية للإيمان المسيحي والتركيز عليها لدرجة تبدو فيها المسيحية وكأنها إحدى الطوائف اليهودية.
4.
العمل الإنساني بين اللاجئين اليهود.
5.
مقاومة المواقف اليهودية “المعتدلة” التي تسعى إلى التفاوض بموجب مبدأ الأرض مقابل السلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مزامير 9/11.

[2] انظر: سعد الدين السيد صالح، العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية ص 39-44.

[3] الدكتور القس رياض جرجور،ندوة فكرية – بيروت – الأثنين، 5 أيـار «مـايو» 2003.