النظام الدولي الجديد .. نهاية التاريخ .. وصرا ع الحضا رت


في الفتره مابين ظهور حركة الإصلاح الديني وحتى الآن، شهد العالم حروب اً كثيره، لعبت فيها الدول البروتستانتية الانجلوسكسونية الدور الرئيس، حيث سيطر الغرب خلالها علي مقد ا رت العالم، وشكلت الدول القومية نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب ضمن الحضارة الغربية، وقامت تلك الدول بالتنافس والصرا ع،وشن الحروب، والتوسع واستعمار حضا ا رت أخ رى ونهبها. وأهم ما تحقق خلال هذه الفترة هو القضاء على نفوذ الدول الكاثوليكية والأرثوذكسية، وسيادة البروتستانت الأنجلوسكسون في بريطانيا وأمريكا العالم.

فمصير العالم كما يعتقد (جوزياسترونغ) يجب أن “يقع في أيدي الجنس الأنجلوسكسوني” (مارسدن،2001 ، ص 126 ). وبعد أن تمكنت أمريكا من القضاء على نفوذ الدول الكاثوليكية ابتداء من حروبها في أمريكا اللاتينية وانتهاءً بالحربين العالميتين، ثم قضائها على المعسكر الشرقي، التي تمثل دوله الكنيسة

الأرثوذكسية، اقترب الحلم الأمريكي من التحقق وأصبح النظام العالمي الجديد هو تحقيق لإمبراطورية أمريكية عالمية، تعمّها المثل والقيم الأمريكية. ولم يعد أمامه إلا الإسلام.

فمع الغياب المفاجئ لكل تهديد لأمن الولايات المتحدة، ومع اندفاع الجزء الأكبر من العالم نحو تبني السياسة الديمق ا رطية و أ رسمالية السوق جنباً إلى جنب مع التجارة الحرة، كما لو لم يبق شئ جدير يمكن أن يكون موضوع جدل. في نهاية التاريخ بشر ف ا رنسيس فوكوياما بحقبة جديدة سيمهد فيها احتضان وتبني حملة القيم والأنظمة الأمريكية الكونية، أو الغربية بشكل أوسع، طريق ترسيخ الازدهار والسلم العالميين”

(برستوفتز، 2003 ، ص 47 ). فقد شهدت الأعوام الأخيرة من الألفية الثانية عرضاً ضخماً وحماسياً مصحوباً بتهليل مخيف لقيادة عالم جديد مثالي عاكف على وضع حد نهائي للبربرية، ومنذور لخدمة المبادئ والقيم لأول مرة في التاريخ. عصر من التنوير والبر تتصرف فيه الأمم المتمدنة تحت قيادة الولايات المتحدة بروح الغيرية والحمية الخلقية في التماسها المثل العليا.

ولكن نهاية التاريخ كما بشر بها فوكوياما، لم ترق لليمين المتطرف لأنها أغفلت البعد المهم في نهاية التاريخ والأزمنة، والتي يجب أن تشهد حروب آخر الزمان، تمهيداً لعودة المسيح، وخوضه المعركة النهائية بين الخير والشر، ليدشن مملكته في القدس، التي تدوم ألف عام. والتى تعنى أن نهاية التاريخ لن تتم إلا بعد تحقيق النبوءات الصهيونية بكاملها، والتي لا ا زل العرب والمسلمون يقفون حائلاً دون تحقيقها. من هنا تقدم هنجتون بنظريته حول ص ا رع الحضا ا رت، وكان لابد من اخت ا رع العدو الإسلامي، وشن الحروب عليه لإخ ا رج الجزء الأخير من المشهد.

الإسلام عدو بديل

وجد الغرب نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أمام ف ا رغ كبير، أصبحت معه خلافاته وص ا رعاته الداخلية من دون سقف ا ردع. و “وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها فجأة دولة، بل معسك ا رً وترسانة من الأسلحة، بل تحالف اً دولي اً بنى سياسته واقتصاده وإست ا رتيجيته، وثقافته، ورؤاه المستقبلية على أساس أنه يواجه عدو اً يتربص به، فإذا بالعدو ينسحب بل يختفي” (عماد، 2003 ، ص 92 )، ومن هنا جاءت نظرية وجوب اخت ا رع عدو بديل، حيث وجد المنظرون الإست ا رتيجيون في الإسلام ضالتهم، وتم صياغة صورة العدو البديل على المستوى الفكري، كما كان مع نظريتي (نهاية التاريخ) لفوكوياما، و(صدام الحضا ا رت) لهنتينجتون، لان الولايات المتحدة تحتاج لعدو توجه ضده المدافع الإعلامية والسياسية والعسكرية. فهذه الآلة الضخمة يجب أن تشتغل وتنتج وإلا أصابها التآكل، لا بد لها من عدو يجسد (الشر)، فإذا لم يكن

موجود اً يفقد (الخير المفترض) مبرر وجوده. لذلك ولو لم يكن هذا العدو موجود اً لوجب اخت ا رعه. سقوط الاتحاد السوفيتي كاد يحرمها من هذه المعادلة، لكنها سرعان ما أعادت إنتاج مقولة (إمب ا رطورية الشر) بتعديلها لتصبح (محور الشر). فقد تغيرت التركيبة العالمية، وإ ن لم تستقر بعد إلا أنها استهدفت إيجاد عدو بديل. وكانت حرب الخليج التي خاضها بوش الأب بمثابة الإعلان عن ولادة قيام نظام عالمي جديد،وموت النظام العالمي القديم، وبالتالي موت كل التوازنات والاتفاقات، التي كانت ترسم حدود العالم في ذلك الحين. سقط النظام القديم، وسقطت كل الضوابط والكوابح التي كان يقوم عليها.”فإذا صدقنا ما تحدث عنه (هنتنجتون) وأسماه صدام الحضا ا رت، نجد أنه لو اندلعت حرب عالمية ثالثه

فستصبح حرب اً من نوع جديد هكذا قال (هنتنجتون)، فلن يكون سببها ن ا زع اً (أوروبي اً – أوروبي اً)؛ ولكنها ستكون مواجهه بين الحضا ا رت، بين المركز (وهو الغرب)، وبين الأط ا رف (أو المستعم ا رت القديمة). بل إن (هنتنجتون) يعطى أيض اً كلا من المجموعتين صبغة دينية: إذ اً سيكون الصدام بين حضارة (يهودية مسيحية) وأخرى (إسلامية كونف وشيوسيه). فالولايات المتحدة في خطتها للسيطرة على العالم بعد انهيارالاتحاد السوفيتي، عينت (العدو البديل أو الشيطان) الذي يجب القضاء عليه، وهو الإسلام وحلفاؤه .( المحتملون، فيما يسمى بالعالم الثالث” (جارودي، 2002 ، ص 26

ولهذا بدأ البحث في أوائل التسعينيات والتركيز على (الأصولية)، وبعدها بفترة بدأ التركيز على ربط الإسلام والمسلمين والعرب ب (الإرهاب)، حيث ترسخ هذا المفهوم في أذهان معظم الأميركيين بعد التفجيرفي مركز التجارة العالمي عام 1993 م، ” وحينها صب الحاقدون وقود ك ا رهيتهم على النار المستعرة، وبدأ الحديث عن شبكة عالمية فائقة التنظيم، ومكونة من مجموعات الإرهاب الإسلامي، ومتربصة للانقضاض داخل الولايات المتحدة” (عماد، 2003 ، ص 48 ). فالعقل الأوروبي كما يقول الجابري: “لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى (الأنا) إلا من خلال (الآخر). ومن هنا فهو لا يستطيع التفكير في المستقبل إلا من خلال (سيناريوهات) يرسم فيها لنفسه (الآخر).. العدو المنتظر” (الجابري،.(1997

من هنا تلقف الفكر الأمريكي أسطورة “نهاية العالم “وعودة مسيح آخر الزمان، ونهض؛ “ليب ررها “وينتهي إلى تبني منطقها بعد أن جعل منها مطية لوضع إست ا رتيجية أمريكية عالمية؛ ذلك أننا حينما نتصفح البعد الإيديولوجي لكاتب ف ا رنسيس فوكوياما الصادر سنة 1992 (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) نست رجع في الحقيقة نفس المفهوم الديني الذي كرسته المسيحية اليهودية حول نهاية العالم وعودة المسيح، وكأن هذا المسيح العائد هو بعينه ذلك (الإنسان الأخير) الذي بشر به فوكوياما. ثم إذا كانت العقيدة الألفية في المسيحية اليهودية المكرسة لنهاية التاريخ مشروطة بحرب (هرمجدون) الكبرى وسحق قوى الشر، فإن موضوع كتاب صوميل هانتجتون صدام الحضا ا رت :إعادة تشكيل النظام العالمي، ليس هو الآخر إلا تعبيرا ليب ا رلي اً عصري اً عن تلك الحرب التي تنذر بها العقيدة الألفية بل إن برنار لويس اختزل ذلك الصدام فجعله

( بالذات صداماً أو حرباً دينية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي (هلال، 2001 ، ص 248 ومن خلال مقارنة ما طرحه هنتجتون في كتابه (ص ا رع الحضا ا رت)، وكتابه الجديد (من نحن؟تحديات الهوية الأمريكية)، يتضح لنا أن أهم ما يعنى هنتجت ون هو ابقاء الاسلام كعدو اساسي لأمريكا،وتفعيل دور الدين المسيحي (بشقه البروتستانتى) في الحياة العامه، اى زيادة نفوذ التيار المسيحي الاصولي الذي يتطلع إلى تحقيق الخ ا رفات والنبوءات التو ا رتية. ولهذا فإن (د. زكاء الله) كان محقاٌ في كتابه (الصليب والهلال) عندما فند مقولة صدام الحضا ا رت، وبين الت ا ربط بينها وبين الرؤية التي يتوقعها

سفر الرؤيا لنهاية العالم، التي تقول بقيام معركة هرمجدون التي ستدوم ثلاث سنوات ونصف السنة، وتبدأ بسبب العرب حسب أحد التفسي ا رت المتداولة؛ ليقيم بعدها المسيح دولة الرب. وقد تطورت أشكال التفسي ا رت والتصو ا رت لرؤية المعركة الأخيرة، لتتبل ور في النهاية في مقولة صدام الحضا ا رت التي خرج بها صموئيل هنتنغتون، دون أن يستطيع الخروج من الرؤيا الكارثية، التي صورتها العقيدة المسيحية عندما ( بشرت بحرب ضروس تبدأ بسبب العالم العربي (انظر: زكاء الله.، 2004 ” وإ ذا كان المنظ ا رن الأمريكان فوكوياما وهانتجتون ينتهيان إلى التأكيد بأن الذي سيظفر بالبقاء في “نهاية

التاريخ “وبعد ص ا رع حضاري دموي إنما بالتحديد أمريكا ومعها الغرب المسيحي المتحضر، أو ليست تلك

هي الدعوى القديمة للمسيحية اليهودية، بأنه عند ع ودة الميسح ونهاية العالم لن يبق خيار لا لليهود ولا بالأولى للمسلمين ولا لغيرهم سوى التحول إلى دين المسيح الذي يعود ليدبر مملكته الكونية وليقيم “نظاماً ( إلهياً، عالمي اً” (هلال، 2001 ، ص 258 وهكذا فإن نظرية ص ا رع الحضا ا رت التى قال بها هنتجتون، تؤكد بإيجاز على أن الغرب وأمريكا ، بالذات، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بحاجة ماسة إلى عدو جديد يوحد دوله وشعوبه (سعدي، 2006 ص 184 )، وأن الحرب لن تتوقف حتى لو سكت السلاح وأبرمت المعاهدات، ذلك أن حرب اً حضارية قادمة ستستمر بين المعسكر الغربي الذي تتزعمه أمريكا، وبين طرف آخر قد يكون عالم الإسلام أو الصين. “أما نظرية نهاية التاريخ (لفوكوياما) فتسعى إلى إلغاء البعد التاريخي، ووضع الأمم والجماعات كافه ع ا رة قبالة الصنميه الاقتصادية التي تنزع إلى تسوية الجميع إ ا زء مطالبها. إنها بشكل من الأشكال مناورة فكريه تمنح خلفيات تنظيريه لممارسات تتجاوز ابتداءً منظومة القيم الخلقية وثوابت العقائد والأديان

والمطالب الاساسيه للإنسان، ومن و ا رء هذه المناورة تكمن الخبرة الصليبية واليهودية والاستعمارية

( وال أ رسمالية” (خليل، 2003 ، ص 114ولا شك أن إيديولوجية كهذه لا بد أن تعتبر الإسلام عقبة كأداء لا بد من إ ا زلتها من الطريق ولا سبيل للحوار معها، بل حتى المذاهب المسيحية الأرثوذكسية ملزمة بالتحول إلى ما تعتقده تلك الإيديولوجية، إن هي أ ا ردت النجاة من (الحرب الأخيرة) قبيل عودة المسيح..! “فأسطورة (نهاية العالم) هذه وعودة المسيح

آخر الزمان كما يروج لها هذا التدين السائد اليوم في أمريكا، هي التي تلقفها وألبسها لبوس اً ليب ا رلي اً كلا من فوكوياما وهنتنجتون. ومن العجيب أن يعكس هذا الفكر الليبا رلي ذلك النوع من الفكر الديني وينتهي معه إلى التبشير بمصير مأساوي للإنسانية!. فقد أجمعت الد ا رسات على مبلغ تدين الشعب الأمريكي، مقارنة بالشعوب الأوروبية، “وأيد الأمريكيون بشكل ساحق أن يكون للدين د ور أكبر في الحياة العامة الأمريكية” .( (هنتنجتون، 2009 ، ص 449 إلا أن الحقيقة الصادمة توضح أن هذا التدين في الأغلب لا يساعد على قيام تفاهم حضاري، لأنه تدين عدواني الطابع، منغلق التفكير، إرهابي النزعة، يبشر بعالم مخيف حقا!. “فقد اعتبر بات روبرتسون، أن النظام العالمي الجديد، ليس إلا تمهيد اً طبيعياً لنهاية التاريخ، ونذي ا رً بقرب حلوله، ومن ثم وجب أن يكون تمهيداً يقيمه العالم الغربي، ويطبعه بحضارته الأوروبية الأمريكية وبثقافته المسيحية، حتى يضمن أن تكون النهاية الكبرى للتاريخ نهاية غربية محضة، ويكون النظام الإلهي العالمي المصاحب لتلك النهاية، نظام ( مسيحي اً بامتياز، كما سطر ذلك في أساطير التو ا رة” (هلال، 2001 ، ص 258

 

المحافظين الجدد وتأثيرهم في السياسة الأمريكية

01 المحافظون الجدد أو الشتراسيون الفاشيون

هم مجموعة سياسية أمريكية من اليمين المسيحي المتطرف، تؤمن بقوة أمريكا وهيمنتها على العالم، تتألف هذه المجموعة من مفكرين إستراتيجيين ومحاربين قدامى ومثقفين ، ومن الجدير بالذكر أن اسم ( المحافظون الجدد ) لم يكن في البداية الا لقبًا أطلق عليه من قبل الليبراليين الأمريكيين، من قبيل السخرية أو النيل من قيمتهم الفكرية ، ويرجع ذلك الى أنه بالرغم من كل توجهات أتباع ( المحافظون الجدد ) وأفكارهم اليمينية المتشددة ، فهي تتقارب بشكل كبير مع التوجهات المحافظة، ا لا أن أنصار شتراوس قد ادعوا الليبرالية ،وأطلقوا على أفكارهم أو حركتهم اسم الليبرالية الشتراوسية ذات الأصول الماركسية ، وقد دفع هذا بالليبراليين الى إطلاق اسم المحافظين الجدد، أو وصفهم بأنصار شتراوس حتى يمكن تمييزهم عن القوى التي

. ( www.ar.wikipedia ) تمثل اليمين المحافظ التقليد

وقد حدد المحافظون الجدد مجموعة من المباديء في وثيقة ( إعلان المباديء ) الصادرة عن (معهد مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي أسسوه عام 1997 لتحقيق التغيير في السياسة الخارجية : تتركز مهمة الولايات المتحدة عالميًا في التخلص من كل مصادر التهديد والترويج لقضية الحرية السياسية والاقتصادية في الخارج وتطوير نظام عالمي جديد يقوم على قيادة . أمريكية لردع الأنظمة المارقة (علي ، جمال سلامة ،( 2006 ) : أسباب و أدوات سيطرة المحافظين الجدد على . ( السياسة الأمريكية ، مجلة السياسة الدولية ، مجلد ( 49 ) ، العدد ( 166)

ومعظم المحافظون الجدد يثنون ثناءًا كبيرًا على الهيمنة الأمريكية وعلى فكرة الإمبرطورية الأمريكية ويعتقدون أنه يجب استخدام القوة الأمريكية للتشجيع على نشر الديمقراطية .

ولجميع المحافظين الجدد التزام وثيق بإسرائيل . واستنادًا إلى ماكس بوت وهو مفكر محافظ،

” فإن دعم إسرائيل يشكل عقيدة أساسية للمحافظين الجدد، ويجادل بنجامين غينسبرغ وهو مفكر وباحث سياسي بأن أحد الأسباب الرئيسية لانتقال المحافظين الجدد إلى اليمين هو تعلقهم بإسرائيل .وبهذا المعنى تشكل حركة المحافظين الجدد الحركة الأوسع المؤيدة لإسرائيل . ( 195  200 : ( والت ، وميرشايمر ، 2009)

الخلفية الدينية للمحافظين الجدد

 

-إن الأفكار التي تبنتها حركة المحافظين الجدد تتماثل مع أفكار اليمين المسيحي ، والذي يصنف الأصوليون المسيحيون أنفسهم فيه ، والذي يؤمن بضرورة فرض السيطرة الأمريكية على العالم ، وطبع هذه السيطرة بطابع ديني مسيحي ، تمهيدًا لمجيء دعوة المسيح الثانية بعد تأسيس الدولة اليهودية وبناء هيكل سليمان المزعوم ، وقد تبنى المحافظون الجدد العقيدة الدينية المتطرفة ، التي تبناها الأصوليون المسيحيون ، وأصبح

المحافظون الجدد يؤمنون بالأفكار الدينية المتشددة ، التي تستند على مبادئ بعيدة كل البعد عن الحقيقة الدينية السماوية ، كالموافقة على مبدأ المبادرة بضربات استباقية ، التي تستند بالأساس على خوض حروب مقدسة باسم صراع الخير ضد قوى الشر ، دون أن تستند على أية شرعية ، أو مبررات أخلاقية ، بل تستند على قناعات شخصية ، ومعتقدات خاصة اعتمدت كحقائق دينية غير قابلة للجدل ( العطار ، 2007  45 )

 

علاقة المحافظين الجدد بالصهيونية

 

لعب التيار المسيحي الذي يطلق عليه اسم ( المسيحية الصهيونية ) دورًا بارزًا في السياسة الخارجية الأمريكية . فقد نشط هذا التيار ، وع  زز نفوذه مع بداية الحقبة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي تميزت في صعود اليمين المحافظ في نهاية سبعينيات القرن الماضي ، عندما حقق المحافظون الجمهوريون فوزًا ساحقًا في انتخابات الرئاسة الأمريكية . عام 1979

من جامعة ( Donald Wagner ) ومن خلال الدراسة التي أجراها القس دونالد واغنر نورث بارك في شيكاغو ، فإن أتباع هذه الحركة يقدر عددهم بأربعين مليون نسمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، ومائة وثلاثون مليون نسمة في كافة أنحاء العالم ، ويصوت كل من المنتسبين لهذه الحركة لصالح الحزب الجمهوري ويعزو القس واغنر سبب دعم هذه الحركة لإسرائيل إلى الإيمان بالوظيفة التي تؤديها إسرائيل في فلسطين تمهيدًا لعودة السيد المسيح ، ودور اليهود في معركة نهاية العالم ( هرمجدون ) ، كما وردت في سفر الرؤيا ،

التي تتحدث عن تحول اليهود إلى المسيحية ، وقتلهم في حال التحاقهم بالمسيح عليه السلام.

وترى المسيحية الصهيونية أن دولة إسرائيل هي في الحقيقة تعبير صادق عن النبؤات التي تحدثت عنها التوراة ، ولذلك فهي دولة تستحق كل الدعم والتأييد السياسي والمادي لتنفيذ تلك النبؤات . (العطار ، 2007 61 : )

 

-وقد توحدت حركة المسيحيين الأصوليين بالإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن ، وذلك بسبب ميل الرئيس لأفكار الحركة ، وتبنيه أكثر مواقفها الداعمة لإسرائيل .حيث وقف الرئيس بوش موقفًا في غاية التطرف في علاقاته مع اليمين الإسرائيلي ، وخضع تمامًا لتوجهات حكومته ، مسايرًا بذلك الحركة المسيحية الصهيونية وأدواتها الإعلامية ، التي جندتها لحمل الإدارة الأمريكية على تأييد إسرائيل ، وعدم الضغط عليها لوقف عملياتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني . (العطار ، 2007 62 : )

-لقد جمعت إدارة جورج بوش الابن بين تيارين ، حيث فتح جورج بوش المجال لكي يعيش المحافظون الجدد والمسيحيون الأصوليون معًا . ومن أبرز المحافظين الجدد بول وولفوفيتز والمسيحي الصهيوني جون أشكروفت . وهذا الجمع مميز لأنه جمع بين تيارين متعارضين ،وإن الجمع في إدارة جورج بوش الابن موجود منذ سبعينيات القرن الماضي ، ومن خلال المزج بين إيديولوجية محافظة جديدة ولاهوت ديني – أصولي متشدد في المجتمع الأمريكي قد ساهم في خلق أرضية مواتية لدفع الوسط الأمريكي نحو اليمين والتطرف ، والسماح للتيارات المحافظة في أن تؤثر على السياستين الداخلية و الخارجية معًا ( الجراد ،2004

.( 227)

 

من أولويات التحالف المسيحي الصهيوني يتلخص بالتالي:

01 حماية أمن إسرائيل والحفاظ عليها ، ودعمها ، وهذا ما يقع في صلب السياسة الخارجية الأمريكية ، وكل من يرى خلاف ذلك سيلقى الكثير من المتاعب والصعاب أثناء مسيرته السياسية في الحكم ، هذا بالنسبة للسياسيين غير المتدينين ، فكيف إن كانت الحال مع رئيس متدين وزمرة حاكمة متدينة أمثال بوش الابن وطاقم حكمه.

02-المحافظة على زخم حملة مكافحة الإرهاب ، لأنها الغطاء الأمثل لضرب مكونات النهضة الناشئة في المشروع الإسلامي ، في بقاع الأرض عامة وفي سوريا خاصة.

03 إعادة الهيكلة الإقليمية للمنطقة وخاصة سوريا، وبناء نظام إقليمي جديد فيها، بمنظومة أبنية جديدة تتناسب والمخطط الأمريكي للسنوات المقبلة .( فرحانة ، 2002 28 : )

 

 

 

يقف تيار المحافظين الجدد في أقصى يمين الحركة المحافظة وحسب “يوري أفنيري” وهوكاتب إسرائيلي ذي الاتجاه العمالي العلماني فتعريفه لهم: “هم مجموعة كل أعضائها تقريبا من اليهود،وهم يؤيدون إسرائيل إلى درجة يمكن اعتبارهم يحملون الجنسية الأمريكية، أو أمريكيون يحملون الجنسية الإسرائيلية، فهم متطرفون أكثر من شارون نفسه“.

وهم ينتمون إل فلسفة “ليو شتراوس” (المفكر اليهودي) وفكره هو القاعدة التي تبنى عليها المفاهيم السياسية، ومذهب “شتراوس” يرتكز على نقطتين:

-1 أن الديمقراطية لا تستطيع فرض نفسها إذا ما بقيت ضعيفة وغير قادرة على مواجهة الطغيان

وتحقيق العدالة التي يجب أن تساندها القوة لكي تتحقق.

-2 إن أي موقف رافض للقيم الديمقراطية يعد رفضا للفضلية والفكر المناهض لها بالضرورة رذيلة.

التسمية جاءت في مقابل المحافظين التقليديين القدامى، والمحافظة مدرسة فكرية ذات عدة أطياف في السياسة الأمريكية بعضها معتدل بعضها الآخر متطرف

والمحافظون الجدد يرون أن المنطق هو الشكل الصحيح والوحيد للتفكير، ويفضلون اللجوء للقوة لتحقيق الأهداف الكبرى عقائدية كانت أو اقتصادية أو سياسية ، وعدم تقيدهم بقيود السلطة التشريعية، وهذا عكس المحافظين التقليديين ، ويتميزون بفكرة تقليل أمريكا من الانغماس في الشؤون العالمية، وطموحات الهيمنة على العالم ليست فكرة محبذة لهم، لدرجة أن بعضهم اقترح أن تنسحب أمريكا من حلف الناتو (يقومون بدور مثقفي البلاط).

إستراتيجية التحالف اتجاه الصراع العربي الصهيوني بعد أحداث 11 سبتمبر 2001  وقسم الأنظمة إلى جيدة وأخرى سيئة وهو ما تولد عنه بعد ذلك مصطلح محور الشر المناهض

للتوجه الديمقراطي في مقابل محور الخير الذي يمثله الغرب الديمقراطي، وقد أعجب “شتراوس” بالإمبراطورية البريطانية لأﻧﻬا فرضت هيبتها بالقوة والضم والسيطرة، وكان معجبا بشخصية الزعيم البريطاني “ونستون تشرشل”، باعتباره زعيما يمثل رجل الدولة ذي الإرادة الصلبة.وعلى هاتين الركيزتين يقوم فكر المحافظين الجدد، وعليها يقيمون تحالفهم مع اليمين الديني الإنجيلي.والمحافظين الجدد لا يحبذون وصفهم بالمتدينين اليهود، ويجمعون بين صفتي الفيلسوف والإستراتيجي، مع انتقادهم المتواصل لفكر المحافظين التقليديين في الولايات المتحدة، من أمثال . “جورج بوش” الأب، وهنري “كيسنجر” 1

ونظرا لنفوذ هذا التيار في جل مستويات الحياة الأمريكية، فهو يتألف من نخبة السياسيين والمثقفين والمحللين والباحثين والإعلاميين من كتاب الأعمدة مرئية مسموعة ومكتوبة، كما منحهم إمكانية التأثير في الرأي العام وصنعه، وقدرﺗﻬم على تبوء مناصب عالية في مراكز أبحاث ودراسات إستراتيجية، حيث أنشئوا مراكز أبحاث مهمتها وضع الدراسات والاقتراحات النظرية والتوصيات والخطط المستمدة في رؤيتهم للعالم الراهن في عصر الأحادية القطبية حيث الولايات المتحدة هي القوة

المهيمنة والآمرة. ونظرﺗﻬم إلى العالم تتسم بالتبسيطة وبروحية أبيض-أسود، ضمن من ليس معنا فهو ضدنا، فمن ليس مع الخير الذي تجسده الولايات المتحدة اليوم هو مع الشر حتما، وجب محاربته ومعاقبته.لقد هيمن دعاة هذا التيار المتشدد من المحافظين الجدد على إدارة بوش الابن، والقوة العظمى،باتخاذ القدرات الردعية الأمريكية لإثبات الزعامة الأمريكية العالمية.

وبالتالي فالآباء الروحيون لما صار يعرف اليوم باسم مبدأ “بوش” هم حملة الأصوليون البروتستانت والمحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري 2 قدموا مبدأ النظرية الاستباقية وحق التدخل في كل العالم بدون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة أي كان، حتى لو كان من أقرب حلفاء واشنطن وأصدقائه.دد والمستقبل الأمريكي، البيان، الإصدار الثاني، مرجع سابق، ص 332 ، أنظر أيضا: صالح زهر الدين، الصهيونية 􀅪 -1 عبد العزيز كامل، المحافظون ا

.246 – المسيحية في الولايات المتحدة، موسوعة الإمبراطورية الأمريكية، بيروت، المركز الثقافي اللبناني، ط 2004 ،1 ، ص ص 252

-2 ويريد هذا التحالف تحطيم صورة عدم التسامح التي لصقت ﺑﻬم وسئم أن يعتبر المحافظون الجدد معادين للسامية وبارك قادة الحزب الجمهوري هذا والمصلحة. 􀆝 الزواج الأمريكي للإيمان والمباد الفصل الثالث إستراتيجية التحالف اتجاه الصراع العربي الصهيوني بعد أحداث 11 سبتمبر 2001

 

وﺑﻬذا تعددت المنطلقات الفكرية لدى إدارة الرئيس “بوش” خاصة داخل الحزب الجمهوري الذي يضم المحافظين الجدد بطموحاﺗﻬم الكونية والأصوليين البروتستانت وطموحاﺗﻬم الدينية والكونية أيضا،ودعاة التفوق العسكري ونزعتهم لاستعمال القوة.رغم أن هناك نقاط اختلاف كبيرة بين هذين الاتجاهين وخاصة اتجاه القضايا الداخلية الأمريكية،إلا أﻧﻬما يلتقيان عموما في “الأصولية” وفي الموقف من إسرائيل، وفي تبني طروحات الليكود الإسرائيلي وشارون في إيماﻧﻬا بتفوق ما يسمى ب”الحضارة اليهودية المسيحية”، وبالنضال الحضاري ضد الأصولية الإسلامية وضد الإسلام، وبإعادة إرساء القيم الأخلاقية في عالم يغرق في الفساد،. وبالديمقراطية على الطريقة الأمريكية 1

وﺑﻬذا فقد صار الأصوليين البروتستانت مسيطرين باتجاهاﺗﻬم على الحزب الجمهوري وذلك منذ انتخابات عام 2000 ، وهم الذين أصعدوا بوش إلى السلطة ويمثلون الآن عصب القوة الحاكمة في أمريكا، واخترق هذا العصب المحافظين الجدد وصار لهم الثقل يفوق عددهم في السياسة الأمريكية وبخاصة الخارجية.وهذا لا يمنع وجود التنافس بينهما (بين التيارين) بما يحمل كل منهما من أطياف وأهداف وشبكات.ولذلك صارت الولايات المتحدة تحت حكم سياسات وتوجهات الصهاينة اليهود والمسيحيين القريبة الأهداف والبعيدة.

ومهما مالت الكفة هنا أو هناك بين أطراف التحالف، فإن الفكر الصهيوني يبقى له ثقل في الكفتين ويجدان لبعضهما نفس التوجهات إذا ما تعلق الأمر بطريقة التعامل مع العالم العربي الإسلامي فهو بالنسبة لهم ساحة للمصالح المشتركة وفي الوقت نفسه عدوا حضاريا.وفي سياق دفاع المحافظين الجدد عن أفكارهم هو مثالهم القوي في سقوط الاتحاد السوفياتي واﻧﻬيار

جدار برلين الذي اعتبروه برهنة على صحة أفكارهم ومنهج القوة لديهم، بدليل أن سياسة ريغان

القوية اتجاه الاتحاد السوفياتي هي التي أدت إلى سقوطه.

. ديدة، باريس: دار لافون، 2003 􀅪 يط، مرجع سابق،ص 70 ، أنظر أيضا، تزفتان تودوروف، الفوضى العالمية ا 􀅿 -1 وليد